Wahbi and the Council of State: Has the Constitution Become a Pretext for the Lack of Political Will for Institutional Reform?
جاء جواب وزير العدل عبد اللطيف وهبي على سؤال كتابي وجّهه إليه رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، حول الإمكانيات المتاحة لإحداث مجلس الدولة بالمغرب، ليعيد إلى الواجهة نقاشاً مؤسساتياً يتجاوز في عمقه البعد التقني، ويمس جوهر الإرادة السياسية للإصلاح وحدودها الفعلية.
في جوابه، قدّم وهبي مسألة إحداث مجلس الدولة باعتبارها إشكالاً دستورياً معقداً، رهيناً بتوفر “إطار دستوري واضح ومتكامل”، وبحاجة إلى “نقاش مؤسساتي وطني معمق”، مع التحذير من استنساخ التجارب المقارنة مهما بلغت نجاعتها في سياقاتها الخاصة. وهي صيغة تبدو في ظاهرها حريصة على احترام الهندسة الدستورية للنموذج المغربي، لكنها تخفي في عمقها توجهاً سياسياً حذراً يميل إلى تثبيت القائم أكثر مما يسعى إلى تطويره.
الخطاب الوزاري، وهو يستحضر التجربة الفرنسية كنموذج مرجعي مع التأكيد على خصوصيتها التاريخية والدستورية، يتجاوز حقيقة أساسية مفادها أن مجلس الدولة في فرنسا لم يكن ثمرة لحظة دستورية مكتملة أو قرار تشريعي معزول، بل مؤسسة بُنيت تدريجياً لتأمين التوازن بين متطلبات حسن سير الإدارة وحماية الحقوق، ولتحصين القرار العمومي برأي قانوني مستقل يسبق الفعل التشريعي والتنظيمي، بدل الاكتفاء برقابة لاحقة بعد وقوع النزاع.
وفي السياق المغربي، شدّد الوزير على أن المنظومة القضائية الحالية، بما تضمّه من محاكم إدارية، ومحاكم استئناف إدارية، ومحكمة النقض، إضافة إلى المحكمة الدستورية، تشكّل بديلاً وظيفياً يقوم بأدوار تتقاطع، حسب تقديره، مع الوظائف التي يضطلع بها مجلس الدولة في تجارب مقارنة. غير أن هذا الطرح يخلط، عن قصد أو غير قصد، بين وظائف متمايزة في طبيعتها وأهدافها؛ فالقضاء الإداري يمارس رقابة لاحقة على مشروعية القرارات الإدارية، بينما يقوم مجلس الدولة، حيثما وُجد، بدور وقائي واستشاري يرمي إلى تفادي العيوب القانونية قبل إنتاج النصوص، لا الاكتفاء بمعالجتها بعد نشوب المنازعات.
إن القول بأن محكمة النقض تضطلع بتوحيد الاجتهاد القضائي لا يجيب عن سؤال جوهري يطرحه النقاش البرلماني والسياسي اليوم: من يوحّد الرأي القانوني داخل السلطة التنفيذية قبل عرض مشاريع القوانين والمراسيم على البرلمان؟ ومن يضمن انسجام هذه النصوص مع المبادئ الدستورية في مرحلة الصياغة، لا بعد الطعن أو النزاع؟ فغياب حلقة استشارية قانونية مستقلة يجعل التشريع عرضة للتجريب، ويحوّل القضاء إلى أداة تصحيح متأخرة، بدل أن يكون جزءاً من منظومة متكاملة للوقاية القانونية.
الأكثر دلالة في جواب الوزير هو ربطه أي تطور مؤسساتي بمنطق “التدرج والتوافق”، وهي عبارة مألوفة في الخطاب العمومي المغربي، كثيراً ما تُستعمل لتبرير التأجيل بدل فتح نقاش صريح حول موازين السلطة داخل الدولة. وهنا ينتقل السؤال من مستوى تقني صرف إلى مستوى سياسي بامتياز: هل هناك استعداد فعلي لإحداث مؤسسة قادرة على إبداء رأي قانوني مستقل قد يقيّد هوامش السلطة التنفيذية؟ أم أن الإبقاء على الوضع الحالي يوفّر مرونة أكبر في تدبير القرار العمومي، ولو على حساب الأمن القانوني وجودة التشريع؟
إن دستور 2011، الذي استند إليه الوزير لتبرير هذا التحفّظ، لم يُصغَ ليكون سقفاً مانعاً لأي تطور مؤسساتي، بل إطاراً مفتوحاً لتعزيز دولة الحق والقانون وترسيخ الحكامة الجيدة.
ومن ثم، فإن تحويل الدستور من أفق للإصلاح إلى ذريعة لتعليق المبادرات المؤسساتية، يُفرغه من روحه ويختزله في قراءة شكلية، تكتفي بإدارة الموجود بدل مساءلته وتطويره.
في المحصلة، لا يبدو أن إشكالية مجلس الدولة تكمن في غياب الأساس الدستوري بقدر ما تكمن في غياب قرار سياسي واضح يمنح للرأي القانوني المستقل مكانته داخل منظومة الحكم.
وبين خطاب التحفظ الدستوري وواقع الحاجة إلى تحصين الفعل العمومي، يظل السؤال الذي فجّره السؤال البرلماني معلقاً: هل نريد قضاءً إدارياً يعالج الأعطاب بعد وقوعها، أم منظومة قانونية تمنع وقوعها من الأصل؟
