The Observer’s Rhetoric in the Garb of Authority: Is Nizar Baraka Distancing Himself from His Ministry’s Record?”
تأتي تصريحات نزار بركة، وزير التجهيز والماء، حول “الواقع القاتم” للاختلالات التي تشوب منظومة الصفقات العمومية بالمغرب، لتفتح نقاشاً سياسياً عميقاً حول معنى النقد حين يصدر من قلب السلطة التنفيذية، وفي لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها نهاية الولاية الحكومية مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية.
فالجرأة التي طبعت هذا الخطاب، وإن بدت في ظاهرها غير مألوفة، تضع المتابع أمام مفارقة لافتة: وزير يشرف على واحدة من أكبر الميزانيات الاستثمارية في الدولة، ويتحدث بلسان “المراقب” لا بلسان “المسؤول”.
جاءت هذه التصريحات خلال الكلمة التي ألقاها الوزير، صباح الاثنين بالعاصمة الرباط، في افتتاح ندوة وطنية حول منازعات الصفقات العمومية، بحضور قضاة ومسؤولين إداريين وخبراء قانونيين.
وفي مداخلة اتسمت بنبرة نقدية واضحة، اعتبر بركة أن الصفقات العمومية “لم تعد مجرد آلية للإنفاق، بل أصبحت في كثير من الأحيان مصدراً للأزمات”، بسبب بطء المساطر، وضعف التنسيق، وتراكم النزاعات القضائية التي تنتهي بتعطيل مشاريع استراتيجية لسنوات.
كما حذّر من أن “نزاعاً واحداً قد يمتد لسنوات يعني مشروعاً معطلاً، ومرفقاً عمومياً مؤجلاً، ومجالاً ترابياً في حالة انتظار”.
ولم يتردد الوزير في الإقرار بأن جزءاً كبيراً من هذه المنازعات يعود إلى “أخطاء بدائية في المراحل الأولى”، خاصة على مستوى دفاتر التحملات ومعايير الإسناد، معترفاً بأن الدولة تخسر عدداً مهماً من القضايا بسبب اختلالات في الإعداد القانوني والتعاقدي.
وفي هذا السياق، أعلن عن إعداد دليل للاجتهاد القضائي يضم الأحكام الصادرة ضد الوزارة، بهدف الوقوف على مكامن الخلل وتفادي تكرارها مستقبلاً، في خطوة تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بضعف الحكامة التعاقدية خلال السنوات الماضية.
غير أن هذا التشخيص، على دقته التقنية، يطرح إشكالاً سياسياً لا يمكن تجاوزه.
فالوزير الذي يحذّر اليوم من “هدر الزمن التنموي” ومن تحويل القضاء إلى محطة إلزامية لتدبير النزاعات، هو نفسه من أشرف على تدبير هذه الصفقات، ووقّع عقودها، وقاد قطاعاً يفترض فيه أن يكون في طليعة الإصلاح الإداري والتعاقدي. ومن هنا، يصعب تقديم هذه الاختلالات كمعطيات طارئة أو عراقيل قدرية، في حين أنها نتاج مباشر لقرارات إدارية، وهفوات في الصياغة، وضعف في المواكبة والتنسيق، وقعت كلها تحت إشراف السلطة التنفيذية نفسها.
إن الاعتراف بخسارة الدولة لمعركة القضاء بسبب أخطاء في دفاتر التحملات لا يمكن اختزاله في كونه جرداً تقنياً للأحكام، بل هو إقرار بمسؤولية سياسية تأخرت في الظهور.
فحين يأتي هذا الخطاب في النصف الثاني من الولاية الحكومية، وبنبرة أقرب إلى التبرؤ منها إلى تحملها، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كنا أمام بداية قطيعة حقيقية مع أعطاب بنيوية، أم أمام بناء مسافة سياسية محسوبة مع حصيلة ثقيلة.
ذلك أن خطاب “المصلح المكبّل بالمنظومة” يسمح بالجمع بين أمرين متناقضين: الاعتراف بالاختلالات من جهة، والتنصل من كلفتها السياسية من جهة أخرى. فهو ينقل مركز المسؤولية من القرار التنفيذي إلى المساطر والقوانين، ومن الاختيارات إلى التعقيد التقني، فيتحول النقد إلى أداة لتخفيف الضغط بدل أن يكون مدخلاً لتغيير فعلي في نمط التدبير.
ورغم أهمية بعض الإجراءات المعلن عنها، من قبيل مراجعة الأثمان أو تتبع الاجتهاد القضائي، فإنها تظل حلولاً جزئية لا ترقى إلى مستوى الإصلاح البنيوي المطلوب. لأن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تفادي الخسائر القضائية، بل في إعادة بناء الثقة في منظومة الصفقات العمومية، وضمان الشفافية والعدالة في الإسناد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا بالاكتفاء بالتشخيص المتأخر.
بهذا المعنى، لا يُقاس وزن خطاب نزار بركة بجرأة مفرداته، بل بمدى استعداده لتحمّل كلفة هذا الخطاب سياسياً ومؤسساتياً.
فالإصلاح لا يبدأ من توصيف الأعطاب، بل من الاعتراف بالمسؤولية عنها، وربط القول بالفعل.
أما الاكتفاء بإتقان تفكيك الاختلالات لغوياً، دون قطيعة حقيقية مع منطق التدبير الذي أنتجها، فيحوّل النقد إلى مناورة خطابية.
وفي كل الأحوال، يظل المواطن مطالباً بانتظار نتائج ملموسة تتجاوز بلاغة التصريحات، وتؤكد أن زمن الإصلاح لم يعد مؤجلاً ولا خاضعاً لحسابات السياسة أكثر من رهانات التنمية.
