بينما كان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يستعرض عضلات حكومته الرقمية بمجلس النواب، خلال جلسة الأسئلة الشهرية حول السياسات العامة، كان السؤال الذي يتردد في كواليس المؤسسة التشريعية أعمق بكثير من لغة “الملايين” و”النسب المئوية”؛ هل نحن أمام تحول بنيوي حقيقي أم مجرد “مكياج رقمي” لتغطية أزمات البطالة والجفاف التي تخنق المغاربة؟
لقد وقف أخنوش بزهو الواثق ليكشف عن رقم يوصف بـ”القياسي” بلغ 63,445 تعاونية في المغرب، منها أزيد من 22,900 أُحدثت فقط في عهد حكومته الحالية ما بين 2021 و2025، وهو انفجار رقمي يطرح علامة استفهام حارقة حول ما إذا كان المغاربة قد تحولوا فجأة إلى “مقاولين اجتماعيين”، أم أن انسداد آفاق الشغل الكلاسيكي هو ما دفع آلاف الشباب والنساء للارتماء في حضن التعاونيات كـ”قشة نجاة” للاستفادة من الدعم، مما يجعل حصر النجاح في “عدد التأسيسات” فخاً سياسياً بامتياز، لأن العبرة ليست في كم تعاونية “وُلدت” في السجلات، بل في كم واحدة “تتنفس” فعلياً في الميدان دون الحاجة لـ”أكسجين” الميزانيات العمومية.
وفي ذات السياق، تحدث رئيس الحكومة عن تخصيص غلاف مالي قدره 368 مليون درهم لتفعيل الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، مشيداً ببرامج مثل “مؤازرة” و”مرافقة”، ومشيراً إلى أن توجيه 50% من ميزانية الدعم لمناطق زلزال الحوز لإعادة تأهيل 325 تعاونية هو إجراء “نبيل” في ظاهره، لكنه يظل مشوباً بمخاطر تحول الدعم إلى منطق غير منتج، إذ إن ربط استدامة التعاونيات بالدعم الظرفي يقتل روح المبادرة ويحولها إلى كيانات “هشة” تنهار بمجرد انتهاء التمويل الحكومي.
كما لم يفت أخنوش الافتخار بوصول نسبة النساء إلى 34% من المنخرطين، وبإطلاق برنامج “تحفيز نسوة” وجائزة “لالة المتعاونة”، غير أن الواقع الميداني المر يؤكد أن الرهان ليس في “الاحتفاليات” والجوائز، بل في حماية المرأة القروية من الوسطاء غير المنظمين داخل مسالك التسويق، الذين يلتهمون هامش ربحها الحقيقي.
فبدون حماية قانونية ورقابة صارمة، تظل المرأة مجرد “واجهة” لتزيين الأرقام الحكومية لا شريكاً حقيقياً في إنتاج الثروة.
وعلى مستوى التسويق، تفاخر رئيس الحكومة أمام النواب برقم معاملات ناهز 200 مليون درهم عبر 20 دورة للمعارض الجهوية، لكن بلغة الحساب البسيطة، يظل هذا المبلغ محدوداً حين يُوزع على آلاف التعاونيات، مما يثبت أن سياسة “المعارض” ليست سوى مسكنات موضعية، بينما يحتاج القطاع إلى “ثورة تسويقية” تضمن ولوج المنتجات المحلية إلى كبريات المساحات التجارية والمنافسة دولياً، وهو ما غاب عن تفاصيل الرؤية الحكومية التي بدت متسرعة في إطلاق الوعود أكثر من تركيزها على شروط الاستدامة.
لقد نجح أخنوش في إعطاء “صورة وردية” عن اقتصاد تضامني يزاوج بين “النجاعة والعمق التاريخي”، لكن الاختبار الحقيقي ليس في “بلاغة الخطاب” داخل البرلمان، بل في “الأثر الميداني”؛ فبدون آليات تتبع شفافة تفصل بين “التعاونيات الورقية” والتعاونيات “المنتجة”، سيبقى هذا القطاع مجرد واجهة رقمية قابلة للنفخ، تنتهي فور تراجع الدعم أو تغيّر الأولويات.
