دخلت الولاية الحكومية الحالية مرحلة “الحقيقة”، وهي المرحلة التي اختار فيها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، رفع سقف التحدي أمام خصومه السياسيين من داخل قبة البرلمان.
فخلال جلسة الأسئلة الشفهية الشهرية الموجهة إليه بمجلس النواب، يوم الاثنين، لم يكتفِ بالدفاع عن منجزات فريقه، بل رسم معالم “قطيعة” تواصلية مع تجارب سابقة، واضعاً “الانسجام” كعنوان عريض لمرحلة يراها ناجحة، بينما يراها خصومه صامتة اجتماعياً وواهية في النقاش السياسي الحقيقي.
وحين شدد أخنوش في مداخلته على أن أغلبيته “منسجمة”، فإنه لم يكن يتحدث فقط عن توافق تقني بين أحزاب التحالف الحكومي، بل بعث برسالة طمأنة سياسية مفادها أن زمن “البلوكاج” والتلاسن بين الوزراء قد ولى، مؤكداً أن الحكومة ستعرض حصيلة ولايتها كاملة في مناسبات مقبلة، بما يشمل الاستراتيجيات المرتبطة بالأوراش الكبرى التي تشرف الدولة على تنزيلها.
وتقدم الحكومة نفسها، وفق هذا المنطق، باعتبارها “مقاولة تدبيرية” تشتغل بمنسوب عالٍ من الانضباط التنفيذي بعيداً عن ضجيج السياسة التقليدية، وهو ما تجلى بشكل واضح في انتقاد أخنوش اللاذع لمن وصفهم بـ“معارضي نهاية الأسبوع”، حين أكد أن حكومته تشتغل طيلة أيام الأسبوع وتتواصل باستمرار مع المواطنين.
غير أن المفارقة الأبرز في هذا الخطاب تبرز عند دعوته المعارضة إلى “التريث” قبل الحكم على الحصيلة؛ فمن الناحية السياسية قد يبدو هذا الطلب منطقياً بالنظر إلى طبيعة الأوراش الهيكلية التي تحتاج زمناً حتى تظهر نتائجها، غير أن الواقع الاجتماعي لا يشتغل بالإيقاع نفسه.
فالمواطن الذي يواجه تداعيات الغلاء والجفاف وتراجع القدرة الشرائية، لا يملك ترف تأجيل تقييمه إلى ما بعد نهاية الولاية في 2026.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن تحويل وعود “الحصيلة المقبلة”، من أرقام تُعرض تحت قبة البرلمان، إلى “رضا شعبي” ملموس ينعكس مباشرة على تفاصيل المعيش اليومي؟
إن محاولة رئيس الحكومة إعادة ترتيب النقاش العمومي من خلال التركيز على “الفعل لا الرد”، تعكس رغبة واضحة في الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم.
غير أن الديمقراطية لا تؤجل الحساب، وأن النقاش حول القدرة الشرائية والبطالة ليس “تشويشاً”، بل هو جوهر السياسة ومعيارها الأول.
ولن يكون الاختبار الحقيقي في حجم المليارات التي سيجري استعراضها ضمن “الحصيلة المقبلة”، بل في مدى قدرة هذا الانسجام الحكومي على تحويل لغة الالتزامات إلى أثر واقعي يلمسه المواطن البسيط… لأن الشرعية لا تُقاس ببلاغات الانسجام، بل بنتائج السياسات في حياة الناس.
