The High Commission’s Bets: Building Growth on the Shifting Sands of Rain-Fed Agriculture
كشفت المندوبية السامية للتخطيط، في تقريرها حول الميزانية الاقتصادية التوقعية 2026، عن سيناريو متفائل للاقتصاد الوطني، يقوم على فرضية تسارع النمو خلال سنتي 2025 و2026، مدفوعًا بانتعاش القطاع الفلاحي واستمرار دينامية الأنشطة غير الفلاحية، في أفق تسجيل أربع سنوات متتالية من النمو المتسارع.
غير أن هذا التفاؤل الإحصائي، رغم تماسكه من حيث الأرقام، يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا النمو، وهشاشته البنيوية، وقدرته الفعلية على تحسين شروط عيش المغاربة.
تراهن المندوبية، بشكل واضح، على تحسن الموسم الفلاحي بفضل التساقطات المطرية المتأخرة، معتبرة أن ذلك سيسمح برفع القيمة المضافة الفلاحية بأكثر من %10 سنة 2026.
غير أن هذا الرهان يعيد الاقتصاد المغربي إلى نقطة ضعف قديمة، تتمثل في الارتهان للمناخ.
فالنمو الفلاحي، كما تؤكده الأرقام ذاتها، لا يقوم على تحول هيكلي في أنماط الإنتاج أو في تدبير الموارد المائية، بقدر ما يظل مرتبطًا بعوامل ظرفية خارجة عن السيطرة.
كما أن الحديث عن انتعاش تربية الماشية، المدعوم ببرنامج إعادة تشكيل القطيع والدعوة الملكية لتعليق شعيرة الأضحية، يظل غير مرفوق بتقييم واضح لكلفة هذا الخيار ولا بآثاره الاجتماعية والمالية، سواء على الفلاح الصغير أو على الميزانية العمومية.
وفي ما يخص الأنشطة غير الفلاحية، تتوقع المندوبية استمرار نموها بأزيد من %4، مدفوعة بالصناعة والبناء والخدمات.
غير أن هذا المعطى، كما يقدمه التقرير، يتفادى الخوض في سؤال جوهري يتعلق بمدى انعكاس هذا النمو على سوق الشغل وجودته.
فقطاعات مثل البناء والسياحة، رغم ديناميتها، ما تزال تشغّل يدًا عاملة هشة، بأجور ضعيفة وبدون استقرار مهني، وهو ما يجعل الأثر الاجتماعي لهذا النمو محدودًا.
كما أن تسريع وتيرة الأوراش الكبرى، وإن كان يرفع مستوى النشاط الاقتصادي، لا يعني بالضرورة تحسنًا ملموسًا في شروط العيش أو تقليصًا فعليًا للفوارق الاجتماعية والمجالية.
أما على مستوى الصناعة، فيعترف التقرير بتباطؤ الصناعات الكيماوية نتيجة تراجع صادرات مشتقات الفوسفاط، قبل توقع عودة الارتفاع سنة 2026.
غير أن هذا المسار يظل مرتبطًا بتقلبات الطلب العالمي وبالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية، خاصة في ظل تباطؤ الاقتصاد الأوروبي، وتسارع التحول الطاقي، وتزايد حدة المنافسة.
وهي عوامل تجعل من النمو الصناعي المغربي نموًا معرضًا للصدمات الخارجية، أكثر منه نتيجة لطلب داخلي قوي أو لسيادة صناعية راسخة.
وفي القطاع الثالثي، تُقدَّم السياحة كقاطرة للنمو، مع تسجيل ارتفاع قوي في خدمات الإيواء والمطاعم. غير أن هذه القصة الإيجابية تخفي أسئلة مقلقة حول من يستفيد فعليًا من هذا الانتعاش، وحول مدى انعكاسه على التشغيل القار وتحسين الدخل.
كما أن النمو السياحي، في غياب نقاش جدي حول الضغط على الموارد المائية والسكن والبنيات التحتية المحلية، قد يتحول من فرصة اقتصادية إلى عبء اجتماعي وبيئي على المدى المتوسط.
ما تقترحه المندوبية، في النهاية، هو سيناريو ممكن إحصائيًا، لكنه غير مضمون اجتماعيًا.
نمو قائم على الفلاحة المطرية، وعلى الطلب الخارجي، وعلى دينامية الأوراش الكبرى، دون معالجة عميقة لاختلالات التوزيع، وجودة الشغل، والسيادة الاقتصادية، يظل نموًا هشًا، قابلًا للانتكاس مع أول صدمة مناخية أو دولية.
قد ينمو الاقتصاد، لكن السؤال الجوهري يبقى معلقًا: هل سينمو معه إحساس المغاربة بالأمان الاقتصادي والكرامة الاجتماعية؟
