حسب مصادر إعلامية، أعادت مواقف صدرت خلال ندوة مهنية بالرباط فتح النقاش حول مشروع قانون المحاماة، في ارتباطه بسؤال أعمق يتعلق باستقلال العدالة ووضعية المؤسسات بالمغرب.
وفي هذا السياق، عبّر النقيب السابق عبد الرحيم الجامعي عن قلقه من المنحى الذي يسير فيه المشروع، معتبراً أن خطورته لا تكمن في مقتضياته الجزئية بقدر ما ترتبط بالخلفية التي يؤطر بها والسياق العام الذي يُطرح فيه.
وخلال مداخلة له في ندوة نظمها اتحاد المحامين الشباب بهيئة الرباط، استحضر الجامعي مراحل مفصلية من تاريخ المحاماة بالمغرب، مذكّراً بأن المهنة تشكّلت في فترات سياسية صعبة، وكان للمحامين فيها دور يتجاوز الدفاع القضائي إلى حماية الحقوق والحريات، خصوصاً خلال مرحلة الاختناق السياسي والانتهاكات التي طبعت ما يُعرف بسنوات الرصاص.
وانطلاقاً من هذا المسار التاريخي، شدد المتحدث على أن المحاماة لا يمكن اختزالها في وظيفة تقنية أو نشاط مهني خاضع لمنطق الضبط الإداري، بل تمثل في جوهرها أحد أعمدة التوازن داخل منظومة العدالة.
واعتبر أن قوة المهنة ظلت دائماً مرتبطة باستقلال مؤسساتها، وبقدرتها على الاشتغال خارج منطق التبعية للسلطة التنفيذية، كما هو الشأن في عدد من التجارب الدولية، خاصة في أوروبا، حيث ساهم المحامون في صياغة التحولات القانونية الكبرى وبناء دولة القانون.
وفي قراءته لمشروع القانون الجديد، توقف الجامعي عند ما وصفه بتحول في فلسفة التنظيم، يقوم على إشراك أطراف خارج الهيئات المهنية في تدبير شؤون المحاماة، من خلال منح أدوار متزايدة للوزارة الوصية والنيابة العامة.
واعتبر أن هذا التوجه يطرح إشكالاً جوهرياً يتعلق بسيادة المهنة واستقلالها، أكثر مما يثير نقاشاً حول شروط الولوج أو مدد الانتداب أو عدد الولايات.
كما ربط الجامعي هذا المسار بأزمة أوسع تطال المنظومة المؤسساتية برمتها، مشيراً إلى أن ضعف المؤسسات المنتخبة واختلال المسار الانتخابي ينعكسان بشكل مباشر على جودة التشريع، ما يؤدي إلى إنتاج قوانين تفتقر إلى الرؤية الإصلاحية الشاملة، ويؤدي ثمنها في نهاية المطاف الفاعلون داخل منظومة العدالة.
ولم يُخف النقيب السابق تخوفه من أن يقود هذا التوجه إلى تهميش دور الهيئات المهنية، خاصة في ظل ما وصفه بالانفتاح غير المؤطر على الرساميل الأجنبية، محذّراً من تحويل المحاماة إلى أداة لخدمة مصالح استثمارية على حساب السيادة المهنية وحماية الحقوق.
وفي هذا الإطار، دعا الجامعي إلى التعاطي مع مشروع القانون باعتباره ملفاً استراتيجياً يمس جوهر العدالة، لا مجرد خلاف مهني ظرفي، مشدداً على أهمية توسيع دائرة النقاش لتشمل الفاعلين السياسيين والنقابيين والمجتمع المدني، مع إشراك الرأي العام في فهم الرهانات المرتبطة باستقلال المحاماة.
وختم النقيب السابق مداخلته بالتنبيه إلى أن إضعاف مهنة المحاماة لا ينعكس فقط على الجسم المهني، بل يفتح الباب أمام مزيد من الهشاشة داخل منظومة العدالة، ويقوض الضمانات الأساسية لدولة القانون، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى مؤسسات قوية قادرة على كبح الفساد وتعزيز الثقة في العدالة.
