مرة أخرى، يجد ملف النقل بالعالم القروي والمناطق الجبلية نفسه عالقًا بين القطاعات الحكومية، بلا قرار حاسم ولا مسؤول واضح.
فخلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس مجلس المستشارين، بدا أن عبد الصمد قيوح، وزير وزارة النقل واللوجستيك، اختار إعادة الملف إلى منطق توزيع الاختصاصات، موجّهًا جوهر النقاش نحو وزارة الداخلية كلما تعلق الأمر بالاختلالات البنيوية للنقل القروي.
الوزير تحدث عن التفريق بين النقل الجبلي والنقل القروي، وعن دراسات “أحواض التنقل” والتنسيق مع الجهات، غير أن هذا الخطاب أعاد النقاش إلى مربع المساطر الإدارية بدل مواجهة الواقع الميداني: حافلات مهترئة، خدمات غير منتظمة، مخاطر يومية على سلامة المواطنين، وغياب بدائل حقيقية لساكنة الهامش.
قيوح أوضح أن منح رخص النقل القروي يتم عبر اللجان الإقليمية التابعة للداخلية، وكأن الإشكال محصور في الرخص لا في نموذج تدبير أثبت محدوديته.
أما دور قطاع النقل، فاقتصر وفق هذا الطرح على الاعتماد التقني في آجال قصيرة، مع دعوات عامة لتجديد الأسطول.
غير أن السؤال الجوهري يظل معلقًا: إذا كانت الداخلية تمنح الرخص، والنقل يمنح الاعتماد، فمن يتحمل مسؤولية غياب رؤية وطنية متكاملة لهذا المرفق؟ ومن يُحاسَب حين يتحول التنقل اليومي في القرى والجبال إلى مخاطرة مفتوحة؟
الحديث عن مئات الرخص الجديدة أو عن دعم تغيير المركبات يبدو أقرب إلى تبرير تقني منه إلى جواب سياسي.
فالمشكل لا يكمن في العدد، بل في غياب شبكة مهيكلة، مدعومة وآمنة، تُعامل النقل القروي كخدمة عمومية أساسية لا كامتياز إداري.
ما ظهر تحت قبة البرلمان ليس خلافًا تقنيًا بين وزارتين، بل صورة مألوفة لتدبير يتقاسم فيه كل قطاع جزءًا من الملف دون تحمل المسؤولية كاملة.
والنتيجة كرة تتقاذفها الوزارات… ومواطن قروي يدفع الثمن يوميًا بصمته وانتظاره وطريقه الوعرة.
