تطرح مناقشات مشروع القانون رقم 56.24، المتعلق بتحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة، إشكالية تتجاوز في أبعادها مجرد إعادة الهيكلة الإدارية لتصل إلى عمق الفلسفة السيادية للدولة المغربية.
نحن اليوم أمام لحظة مفصلية تختبر الحدود الفاصلة بين تحديث أدوات التدبير العمومي وبين التراجع الهادئ للدولة عن أدوارها التقليدية لصالح منطق السوق، وهو ما يجعل هذا التحول مثار جدل محتدم بين أغلبية حكومية ترى في “الشركنة” وسيلة لتحقيق النجاعة والجاذبية الاستثمارية، ومعارضة تتخوف من “خوصصة مقنعة” قد تمس بجوهر الأمن الطاقي والمعدني للمملكة.
إن التحول من صيغة المؤسسة العمومية إلى الشركة المساهمة ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو انتقال جذري في قواعد اللعبة؛ فبينما تُدار المؤسسات العمومية بمنطق الخدمة العامة والرقابة الإدارية الصارمة، تخضع الشركات المساهمة لمنطق تعظيم القيمة وتقليص المخاطر ورفع العائد المالي.
وهذا الانتقال يطرح تساؤلاً جوهرياً حول كيفية التوفيق بين هذه الأهداف التجارية وبين تدبير ثروات طبيعية غير متجددة ملك للأجيال المقبلة.
فالمخاوف هنا لا تتعلق فقط بهوية المالك، بل بمن يمتلك سلطة القرار الاستراتيجي في اللحظات التي قد تتعارض فيها مصلحة الأرباح مع مصلحة الأمن القومي والسيادة الاقتصادية.
وما يعزز مشروعية هذا القلق هو السياق الزمني الذي يأتي فيه المشروع، حيث يشهد المغرب مؤشرات واعدة في مجال الاكتشافات الغازية وتزايد الأهمية الاستراتيجية للمعادن المرتبطة بالانتقال الطاقي.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح التسريع بتغيير الإطار القانوني لجهة تدبير هذه الثروات مغامرة قد تؤدي إلى تقليص الهامش الرقابي للبرلمان والمؤسسات الدستورية، واستبداله برؤية تقنوقراطية صرفة تحت وصاية الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة.
ورغم أن الحكومة تؤكد بقاء رأسمال الشركة في يد الدولة، إلا أن تجارب دولية سابقة أثبتت أن تغيير القالب القانوني غالباً ما يكون التمهيد الضروري لفتح الرأسمال مستقبلاً أمام القطاع الخاص، مما قد يفرغ مفهوم “السيادة” من محتواه الفعلي ويحوله إلى مجرد إشراف شكلي.
في نهاية المطاف، يبدو مشروع القانون 56.24 بمثابة إعلان عن نموذج جديد لـ “الدولة المستثمرة” التي تبحث عن الفعالية في قلب منطق السوق، لكن النجاعة الاقتصادية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الوضوح السياسي والضمانات السيادية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحويل المكتب إلى شركة، بل في صياغة منظومة رقابية استثنائية تضمن أن تظل الثروات الوطنية رافعة للتنمية الشاملة، وليست مجرد أصول مالية في ميزانية شركة تلهث وراء الأداء المالي، مما يستدعي نقاشاً وطنياً شفافاً يضع مصلحة الأجيال القادمة فوق كل اعتبار تقني أو ظرفي، ويطرح السؤال الحارق: هل يمتلك النموذج المغربي الحالي في تدبير المقاولات العمومية بالفعل “الأنياب الرقابية” الكافية لمواكبة هذا النوع من التحولات الكبرى؟
