لم يعد الخلاف بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي وهيئات المحامين والعدول مجرد اختلاف تقني حول مواد قانونية أو مساطر إجرائية، بل تحول تدريجيًا إلى أزمة ثقة سياسية ومؤسساتية تضع مسار إصلاح منظومة العدالة على محك حقيقي.
فبين لغة حكومية تميل إلى الحسم السريع، وتصعيد مهني غير مسبوق، يبدو أن المسار التشريعي قد غادر منطق “التوافق الممكن” ليدخل منطقة رمادية يطغى عليها منطق فرض الأمر الواقع.
في هذا السياق، اختار وزير العدل لغة صريحة، بل فجة في وقعها السياسي، حين أطلق عبارته المثيرة للجدل: “أنا كوزير لا ألتزم”. ورغم محاولات لاحقة لوضع التصريح في سياقه الدستوري، باعتبار أن البرلمان هو صاحب القرار النهائي، إلا أن الأثر الرمزي للكلام ظل أقوى من أي توضيح لاحق.
فالوزير، حين يتحدث، لا يفعل ذلك بصفته الشخصية، بل باعتباره ممثلًا للسلطة التنفيذية، وشريكًا مفترضًا في حوار مع مهن تُعد، بحكم موقعها، “الجناح الثاني” للعدالة.
لذلك بدا نفي الالتزام أقرب إلى إعلان قطيعة معنوية مع منطق التعاقد السياسي الذي يمنح الحوار قيمته ومصداقيته.
إن إفراغ الحوار من بعده الأخلاقي حوّله، في نظر الفاعلين المهنيين، إلى مجرد إجراء شكلي لتدبير الزمن التشريعي، لا إلى أداة حقيقية لإنتاج التوافق.
وهو ما يفسر، إلى حد كبير، انتقال الخلاف من قاعات الاجتماعات إلى الشارع، ومن المذكرات التقنية إلى وقفات احتجاجية أمام البرلمان، في تعبير واضح عن انسداد قنوات الوساطة.
دفاعًا عن اختياراته، لجأ وهبي إلى خطاب الهجوم المضاد، متسائلًا بلهجة استنكارية: “هل تريدون قوانين على مقاسكم؟”. غير أن هذه الصيغة، رغم نجاعتها الخطابية، تختزل مطالب معقدة في نزعة فئوية ضيقة.
فالمحامون حين يتحدثون عن الاستقلالية، لا يدافعون عن امتيازات شخصية، بل عن شروط ممارسة رسالة الدفاع، والعدول حين يطالبون بالتحديث، ينطلقون من واقع مهني متغير.
اختزال هذه المطالب في ثنائية “المصلحة العامة” مقابل “ضغط اللوبيات” يغفل أن جودة العدالة لا تنفصل عن جودة القوانين المنظمة لمهنها، وأن أي إصلاح يُنجز دون إشراك فعلي للمعنيين به يظل معرضًا لفقدان الفعالية والقبول.
كما يستند وزير العدل باستمرار إلى عدد الاجتماعات المنعقدة مع الهيئات المهنية كدليل على الانفتاح والحوار.
غير أن الواقع يكشف مفارقة لافتة: كثافة اللقاءات لم تُترجم إلى تخفيف الاحتقان، بل رافقها تصعيد متزايد.
وهو ما يطرح سؤال المنهج لا النية، إذ يبدو أن منطق “الاستماع دون الاستيعاب” حوّل الحوار إلى مسار دائري، تُسجَّل فيه الملاحظات دون أن تنعكس جوهريًا على النصوص، ما جعل الانفجار الميداني مسألة وقت لا أكثر.
أما إقحام المجلس العلمي الأعلى في ملف العدول، فقد أضفى على الأزمة بعدًا إضافيًا من التعقيد.
فبينما يظل احترام المؤسسات الدستورية مبدأً ثابتًا، فإن نقل نقاش مهني وتشريعي إلى حقل رمزي ديني يفتح الباب أمام تداخل مربك بين المرجعيات، وكان بالإمكان معالجة نقاط الخلاف بمنطق قانوني مدني واضح، دون توسيع دائرة التوتر.
وهكذا يجد عبد اللطيف وهبي، القادم من جبة المحاماة، نفسه في مفارقة لافتة: وزير إصلاح يواجه مهن العدالة بلغة الحسم والقطيعة الرمزية.
وإذا استمر هذا النهج القائم على تسريع التشريع وتهميش الهواجس المهنية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد مرتبطًا بمصير هذه النصوص وحدها، بل بمستقبل الثقة داخل منظومة العدالة برمتها: هل يمكن لقوانين تُفرض بمنطق القوة العددية أن تُنتج عدالة مستقرة، أم أن الإصلاح الحقيقي يمر أولًا عبر بناء توافق يحصّن النصوص قبل المصادقة عليها؟
