لم يعد الجدل المرتبط بـ كأس أمم إفريقيا 2025 نقاشًا رياضيًا عابرًا، بل تحوّل إلى فضيحة تواصلية مكتملة الأركان، عنوانها العريض: أموال عمومية صُرفت بسخاء… وأثر يساوي الصفر. فحين يُنفق المال العام لشراء “الصورة”، ثم تنقلب هذه الصورة إلى مادة للسخرية أو التشويش، فإننا لا نكون أمام سوء تقدير عابر، بل أمام فشل تدبيري واضح يطرح أسئلة ثقيلة حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
البرلماني عبد الرحيم بوعيدة أعاد فتح هذا الملف من بابه الحقيقي، من خلال تصريحات مصوّرة متداولة على منصاته بمواقع التواصل الاجتماعي، دون مساحيق لغوية ولا حسابات دبلوماسية. لم يُزايد في الوطنية، ولم يناقش الانتماءات، بل وضع الإصبع على الجرح مباشرة: من اشترى هؤلاء المؤثرين؟ وبكم؟ ولماذا؟.
فبحسب ما جاء في تصريحاته، جرى استقدام مؤثرين أفارقة بعقود ممولة من المال العمومي، مع توفير إقامات فاخرة وتعويضات سمينة، قبل أن ينتهي الأمر ببعضهم إلى السخرية من هزيمة المنتخب المغربي، أو تشجيع خصومه علنًا، دون أي التزام أخلاقي أو مهني تجاه البلد الذي موّل حضورهم.
هنا يسقط منطق “الترويج” سقوطًا مدويًا.
لأن ما حدث لا يمكن اختزاله في خطأ فردي أو زلة محتوى، بل يكشف منطق شراء أعمى، لا يربط الأداء بالنتيجة، ولا المال بالأثر.
فكيف يُعقل أن تُصرف الملايين دون شروط واضحة؟ ودون التزامات تعاقدية صارمة؟ ودون أي آلية لتقييم المردودية أو مساءلة من أشرف على هذه العمليات بعد انتهاء “الخدمة”؟
المفارقة التي فضحت هذا العبث تمثلت في نموذج المؤثر السعودي خالد العليان، الذي لم يتلقّ درهمًا واحدًا من المال العام، وزار المغرب على نفقته الخاصة، وتنقّل بين مدنه ومواقعه السياحية، ونشر محتوى عفويًا حصد انتشارًا واسعًا فاق، بأضعاف، ما حققته الحملات المدفوعة.
مقارنة قاسية إداريًا: مال بلا أثر، مقابل أثر بلا مال.
بوعيدة لم يتوقف عند حدود الوقائع، بل ربطها مباشرة بصفقات تواصلية أبرمها المكتب الوطني المغربي للسياحة، صفقات بأرقام كبيرة، أُنجز بعضها خارج منطق المنافسة وطلبات العروض، في سياق كان يُفترض أن يكون فيه التدبير نموذجًا للحكامة لا مادة للسخرية.
ويزداد هذا التناقض حدّة حين نعلم أن الحدث نفسه حظي بتغطية تلفزيونية قارية ودولية بالمجان، تابعه مئات الملايين، ما يجعل صرف هذه المبالغ الضخمة غير مبرر اقتصاديًا ولا تواصليًا.
الخطير في هذا الملف ليس فقط تبديد المال العام، بل ترسيخ منطق مقلق مفاده أن صورة المغرب تُشترى ولا تُبنى، وأن الإشعاع يُستورد بدل أن يُثمَّن، وأن “البرّاني” أحق دائمًا بالصفقة من الكفاءة أو المضمون أو حتى النتيجة.
هنا بالضبط يتحول المثل الشعبي إلى سياسة غير معلنة: الله يعطينا زهر البرّاني، ولو على حساب الحكامة والعقل.
هذا النقاش، في عمقه، ليس هجومًا ولا تشهيرًا، بل مساءلة سياسية مشروعة حول القرار والتوقيع والرقابة والمحاسبة.
لأن المال الذي صُرف ليس مال مؤسسات معزولة، بل مال دافعي الضرائب، وصورة المغرب أكبر من أن تُختزل في فيديوهات مدفوعة العمر، بلا التزام، وبلا أثر، وبلا حياء تدبيري.
