لم تعد عمليات هدم المحلات التجارية بالمدينة القديمة للدار البيضاء مجرّد إجراء إداري مرتبط بإعادة التهيئة، بل تحوّلت إلى جرح اجتماعي مفتوح، يطرح سؤالًا سياسيًا حادًا: من يستفيد فعليًا من “تأهيل” المدن العتيقة، ومن يدفع الثمن؟
هذا السؤال فجّرته النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، من خلال سؤال كتابي وجّهته إلى وزير الداخلية، وضعت فيه الحكومة أمام مسؤوليتها الكاملة بشأن تدخلات عمرانية تُنفَّذ، بحسب تعبيرها، دون بدائل حقيقية، ودون تعويضات منصفة، ودون أدنى اعتبار لمصادر عيش التجار الصغار.
وحذّرت التامني من منطق خطير يتسلل إلى سياسات التهيئة الحضرية، منطق يُقدّس الحجر ويُهمّش البشر، ويحوّل “إعادة الاعتبار” إلى إقصاء اجتماعي صامت.
فالتاجر الصغير، وفق هذا المنطق، لا يُنظر إليه إلا كعائق مؤقت في طريق مشروع عمراني، يُزال دون نقاش، ثم يُترك لمصيره.
وفي لهجة سياسية واضحة، تساءلت البرلمانية عن الأساس القانوني والتنظيمي الذي استُند إليه في هذه العمليات، وعن دور وزارة الداخلية في السهر على احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات المتضررة، مؤكدة أن الدستور لا يمنح أي جهة حق التضحية بالعيش الكريم للمواطنين باسم المصلحة العامة المجردة.
وسجّلت التامني غياب أي مقاربة تشاركية تُشرك المعنيين بالأمر قبل الشروع في الهدم، وغياب أي تصور اجتماعي يواكب التدخلات العمرانية، معتبرة أن هذا الفراغ لا يعكس فقط ضعفًا في التواصل، بل اختلالًا في فلسفة التدبير نفسها.
وشددت على أن تأهيل المدينة القديمة لا يمكن أن يُختزل في تجميل الواجهات أو ترميم الجدران، بينما تُدمَّر، في المقابل، شبكات عيش استمرت لعقود، وأسهمت في الحفاظ على هوية المكان واستقراره الاجتماعي.
فمدينة تُرمَّم على أنقاض فقر جديد، ليست مدينة مُؤهَّلة، بل مدينة يُعاد إنتاج هشاشتها بأدوات حديثة.
وبهذا التدخل، لا تُسائل فاطمة التامني واقعة معزولة، بقدر ما تكشف منطقًا آخذًا في الترسخ: تنمية تُقرَّر من فوق، وتُنفَّذ بالجرافة، وتُحاسَب اجتماعيًا من جيوب الفقراء.
وهو منطق، إن استمر، قد يحوّل أوراش التأهيل من رافعة للتنمية إلى وقود لغضب اجتماعي مؤجَّل.
