كشفت تقارير حديثة أعدتها لجان تابعة للمجالس الجهوية للحسابات عن صورة قاتمة لتدبير قطاع التعمير داخل جماعات ترابية كبرى، حيث تحول المنتخب من فاعل عمومي مؤتمن على القانون إلى مستثمر مباشر يستغل ثغراته لتحقيق مصالح شخصية.
وتفيد المعطيات المسربة بأن قضاة الحسابات وضعوا اليد على ملفات مشاريع سكنية وصناعية ضخمة يملكها رؤساء جماعات ومنتخبون نافذون داخل دوائر نفوذهم، خاصة بضواحي المدن الكبرى، حيث انطلقت التحقيقات بناءً على شكايات موثقة كشفت عن تلاعبات خطيرة في التصاميم والتجهيزات الأساسية.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر إعلامية مطلعة أن التحقيقات توقفت عند نمط بنيوي من الفساد يخلط بين السلطة التقريرية والمصلحة الخاصة، إذ يستفيد هؤلاء المسؤولون من مواقعهم لفرض شروط استثنائية على مشاريعهم الخاصة، في مقابل فرض اقتطاعات ثقيلة على تجزئات مجاورة لمواطنين أو مستثمرين منافسين، وصلت في بعض الحالات إلى الاستيلاء على أكثر من 80% من مساحات العقارات الأصلية بدعوى “المنفعة العامة”.
كما أكدت المصادر ذاتها أن بعض هذه التجزئات “المحظوظة” حُرمت مؤخراً من التأشير النهائي بعد اصطدامها برفض صارم من عمال الأقاليم الذين رصدوا تلاعبات في ملفات الربط الطرقي وشبكات التجهيز، مما فجّر مواجهات مباشرة وضعت هؤلاء المنتخبين في موقف المساءلة بفتهم مستثمرين خاضعين للقانون لا كمقررين فوقه.
ولم يتوقف الأمر عند حدود العقار، بل امتد ليشمل التدبير المالي للجماعات، حيث رصد القضاة مناقصات وُصفت بالصورية، جرى تمريرها لفائدة شركات أنشئت خصيصاً لتدور في فلك رؤساء الجماعات أو المقربين منهم.
هذه الممارسات، التي صُنفت ضمن خانة الاختلاسات واستغلال النفوذ، أدت إلى ارتفاع مهول وغير مبرر في كلفة الخدمات العمومية وضياع موارد مالية ضخمة كانت كفيلة بتحقيق تنمية حقيقية.
إن ما تكشفه هذه التقارير، بعيداً عن منطق الإثارة، هو خلل عميق في منظومة الحكامة المحلية يسمح بتضارب صارخ للمصالح، ويحول التعمير من أداة للعدالة المجالية إلى وسيلة لتراكم الثروة والنفوذ الانتخابي، مما يضع السلطة الوصية والقضاء المالي أمام مسؤولية تاريخية لقطع الطريق على تحويل الجماعات الترابية إلى “شركات عائلية” لتدبير الامتيازات وضمان مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
