The Futility of Counting: Are We Enumerating People with Disabilities to Empower Them, or Merely to Know How Many Have Been Left Behind?
أطلقت وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة النسخة الثالثة من البحث الوطني حول الإعاقة، في خطوة قُدِّمت كـ”قفزة استراتيجية” نحو تحديث المعطيات وبناء سياسات قائمة على الدليل العلمي.
ومع انطلاق هذه العملية، يبرز تساؤل مشروع يتردد في أوساط الحقوقيين والأسر: هل مشكلة الشخص في وضعية إعاقة بالمغرب هي “نقص البيانات”، أم هي “عجز الإرادة السياسية” عن تحويل تلك البيانات إلى واقع ملموس؟
ليست المرة الأولى التي يُوضَع فيها الأشخاص في وضعية إعاقة تحت مجهر الإحصاء؛ فقد سبق ذلك بحثان وطنيان في 2004 و2014، تراكمت معهما الأرقام وتكدست التقارير، ورُسمت الخرائط بدقة متناهية للحواجز البنيوية والاجتماعية.
غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن دقة التشخيص لم تكن يوماً تذكرة عبور نحو جودة التنفيذ.
فبينما تزداد الجداول الإحصائية تعقيداً، يظل رصيف الشارع غير متاح، وتبقى حافلة النقل العمومي عصية على الولوج، ويستمر “التعليم الدامج” مجرد شعار يصطدم بغياب الوسائل والكوادر.
واقع يومي يكشف أن الإشكال الجوهري في المقاربة الرسمية ليس في غياب المعرفة، بل في اختزال الإعاقة في خانات إحصائية منفصلة عن شروط العيش الفعلي.
إن هذا البحث، رغم أهميته التقنية، يواجه خطر التعامل مع المعنيين بالأمر كـ“فئات مستهدفة” أو “أرقام قابلة للمقارنة دولياً”، بدلاً من التعامل معهم كأصحاب حقوق أصيلة ومواطنين كاملي المواطنة. فاستهلاك مفاهيم رنانة مثل “الكرامة” و“الإنصاف” في الخطابات الرسمية لا يمكن أن يخفي الفجوة العميقة بين الأرقام التي تُرصد في المكاتب المكيفة، والواقع المرير الذي يُعاش في القرى والمدن حيث تُنتهك أبسط شروط العيش المستقل يومياً.
وحتى الحديث عن “المسار التشاوري الموسع” مع المجتمع المدني يظل بحاجة إلى برهان عملي؛ فالتشاور الحقيقي لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بمدى انعكاس تلك المقترحات على الميزانيات القطاعية والقوانين الملزمة.
أما تحويل الجمعيات إلى مجرد “ميسر” لعمليات الإحصاء، فقد يبدو نوعاً من تأميم النضال الحقوقي وتفريغه من محتواه المساءِل.
وهنا يفرض سؤال بسيط نفسه، لكنه شديد الإحراج:
من المسؤول عن تحويل نتائج بحث 2014 إلى سياسات عمومية ملموسة؟ ومن حوسِب على غياب التنفيذ؟
إن السؤال الذي يتهرب منه الجميع هو: ماذا بعد الإحصاء؟ هل ستتحول هذه النسخة الثالثة إلى التزامات قانونية محددة بآجال زمنية؟ هل سنرى مؤشرات أثر حقيقية تُحاسب عليها الجماعات الترابية والقطاعات التنفيذية؟ أم أننا سننتظر عشر سنوات أخرى لبحث رابع يخبرنا بما نعرفه سلفاً؟
فكرامة الأشخاص في وضعية إعاقة لا تكمن في حجم قاعدة البيانات التي تضم أسماءهم، بل في السياسات التي تضمن لهم الحق في الشغل، والمدرسة، والتنقل دون استجداء.
أما الاستمرار في “عدّ” هؤلاء المواطنين دون تغيير شروط حياتهم، فليس سوى إدارة تقنية للهشاشة، واستثمار في صناعة التقارير بدل الاستثمار في صناعة التغيير.
