لم يعد عزيز أخنوش، في نظر فئات واسعة من المغاربة، مجرد رئيس حكومة يمارس صلاحياته الدستورية، بل أصبح اسمه يختزل حالة من “الثقل” المعيشي الذي لم يسبق له مثيل في الذاكرة المعاصرة.
نحن أمام تجربة سياسية غريبة الأطوار، ارتبطت في الوجدان الشعبي بحقيقة مؤلمة تتجاوز لغة الأرقام والمؤشرات، مفادها أن الحكومة لم تعد تواجه الأزمة بقدر ما تكتفي برصدها وتبريرها، وكأنها تخلت عن دورها كحارس للأمن الاجتماعي لتتحول إلى مجرد “مشاهد” يوثق غرق المركب من على الضفة.
إن أخطر ما يواجه المغرب اليوم ليس “التضخم” كظاهرة اقتصادية بحد ذاته، بل النهج المستفز الذي اختارته الحكومة في إدارة الغضب الشعبي، وهو ما يمكن تسميته بسياسة “التطبيع مع الألم”.
فبدل تحمل المسؤولية السياسية أمام موجات الاحتقان، قُدِّم الغلاء للمغاربة كـ“قدر محتوم” لا مفر منه، وكأنه إصلاح هيكلي ضروري يجب على المواطن البسيط أن يؤدي فاتورته من لقمة عيشه وكرامة حياته.
هكذا، تتحول الدولة تدريجياً إلى آلة باردة تتعامل مع المواطن باعتباره رقماً استهلاكياً في جداول الإحصاء، لا إنساناً له حق أصيل في العيش الكريم.
وهنا يطفو على السطح اللغم الأكبر الذي يهدد ما تبقى من الثقة في المؤسسات، وهو مأزق تضارب المصالح وغياب الشرعية الأخلاقية عن المشهد.
فكيف يمكن للمواطن أن يفصل بين “رجل الدولة” المفترض فيه حماية القدرة الشرائية، و“رجل الأعمال” الذي يتحكم في عروق السوق؟ حين يكتوي المغاربة بنيران أسعار المحروقات والمواد الأساسية، يجدون أنفسهم أمام سؤال مشروع وقانوني وحارق: هل تملك حكومة يقودها أحد أقطاب المال والأعمال الإرادة السياسية الحقيقية للضرب على أيدي المحتكرين واللوبيات، وهم في الأصل “زملاء المهنة”؟
هذا السؤال ليس تشهيراً كما يحلو للبعض تصويره، بل هو صلب النقاش الديمقراطي والسيادي حول تداخل السلطة بالثروة.
فالمواطن لا يبحث عن خبير اقتصادي يشرح له بلغة أكاديمية جافة لماذا أصبح فقيراً، بل عن سلطة عادلة تضمن ألا تتضاعف أرباح الشركات الكبرى على حساب جوع الضعفاء وأنين طبقة متوسطة تُسحق بدم بارد، بينما يُطلب منها وحدها التحلي بالصبر والوطنية.
وكلما ضاقت سبل العيش، خرجت الحكومة لتردد الأسطوانة نفسها عن “السياق الدولي” و“الجفاف” و“الحرب في أوكرانيا”.
غير أن الوعي الشعبي تجاوز هذه التبريرات بسؤال أبسط وأكثر إحراجاً: إذا كانت الدولة تملك الأدوات لتشخيص أماكن المضاربة، وتعرف جيداً من يتحكم في سلاسل التوريد، فلماذا تتردد في استئصال هذا النزيف؟
هنا لا يعود السؤال اقتصادياً… بل سياسياً وأخلاقياً.
فإذا كان الجشع هو المحرك الفعلي لبعض القطاعات التي تضاعفت أرباحها في عز الأزمة، فأين هي “هيبة الدولة” التي يفترض أن تحمي السلم الاجتماعي من تغول رأس المال؟ إن الاستمرار في السياسات نفسها، رغم الاعتراف الرسمي بوجود اختلالات، لا يكرس سوى شعور جماعي بالعقوبة، وكأن الشعب يُعاقَب على أزمات لم يصنعها ولم يكن طرفاً فيها، بينما تستمر الأرباح الخيالية لبعض الشركات دون أدنى حس وطني أو تضامن اجتماعي يُذكر.
لقد انتقل السؤال الشعبي اليوم من خانة الاقتصاد إلى خانة الوجود: هل هذه الحكومة تحكم أم تتفرج؟ هل تشعر بوجع الناس أم تعيش في كوكب آخر من الأرقام الصماء؟ وحين يصبح هذا السؤال موضوع تداول يومي في المقاهي والبيوت، نكون قد دخلنا منطقة الخطر السياسي التي لا تنفع معها البلاغات المصقولة ولا الخطابات التبريرية.
فالمغاربة لا يطالبون بالمعجزات، بل بالمعنى، وبحكومة تخاف عليهم لا حكومة تحسب عليهم ميزانياتها.
والمفارقة الصارخة أننا نعيش انتقالاً سريالياً من وعود “الدولة الاجتماعية الموعودة” كأفق ملموس انتظره الجميع، إلى دولة تتحدث عن الاجتماعية في الصالونات المكيفة، بينما الواقع في الأسواق الأسبوعية وأحياء الهامش يكتب قصة مغايرة عنوانها الإقصاء، التهميش، وفقدان الأمل.
وعلى حافة هذا الانكسار، لن تُحسم تجربة عزيز أخنوش بمعدلات نمو ورقية ولا بأرقام ماكرو-اقتصادية تُرضي المؤسسات المانحة، بل ستُحسم بالشرعية الأخلاقية، وبقدرة أبسط مواطن في قرية منسية على العيش بكرامة دون أن يذله ثمن الخبز أو الدواء.
فالمغاربة قد يصبرون على ضيق الرزق إن شعروا بالعدل، لكنهم لا يصبرون أبداً على الاستهانة بعقولهم ولا على رؤية حكومتهم وهي تتحول إلى مجرد حارس لمصالح السوق.
الشعب المغربي لا يريد فقط حكومة تُدبر الميزانيات بعقل المحاسبين، بل حكومة تملك قلباً سياسياً وجرأة تاريخية لمواجهة الاحتكار والريع وضرب جذور الفساد التدبيري.
وبدون ذلك، سيظل الفراغ المهول بين خطاب حكومي مليء بالإنجازات الورقية وواقع جيب مكسور، هو العنوان الأبرز لمرحلة قاسية سيسجلها التاريخ كلحظة اغتراب عميق بين المواطن وحكومته.
