في جمعة الحساب بالدار البيضاء، لم يكن خروج عبد اللطيف وهبي مجرد إلقاء كلمة بروتوكولية أمام الموثقين، بل كان مناورة سياسية بامتياز، حاول من خلالها رسم حدود جديدة بين الدولة والمهن الحرة.
الوزير، الذي يتقن العزف على أوتار الإثارة، قدّم في هذا اليوم، يوم الجمعة، “عقيدة” جديدة قوامها مقايضة مثيرة للجدل: الرفاهية المادية مقابل الاستقامة المطلقة. فبحديثه عن ضرورة ارتقاء الموثق إلى “الطبقة المتوسطة العليا”، لم يكن يدافع عن “الترف”، بل كان يطرح فلسفة أمنية–مالية ترى أن تحصين الذمة يبدأ من امتلاء الجيب، مراهناً على أن الموثق “المكتفي” سيكون أقل نهماً لودائع الزبناء التي تُقدَّر بالمليارات.
هذه “البراغماتية” الصادمة اصطدمت مباشرة بوجه آخر من وجوه الواقع المغربي، حين اعترف الوزير بمرارة، في اليوم نفسه، أن “الوساطات تبدأ من مكتبه”.
هذا الاعتراف كان بمثابة قنبلة مدوية في وجه “لوبيات الهاتف”؛ إذ لا يكشف فقط عن حجم الضغوط التي يتعرض لها صانع القرار لحماية “المنحرفين مهنياً”، بل يعلن صراحة عن انتهاء زمن “عفا الله عما سلف” داخل دهاليز وزارة العدل.
وهبي هنا حرص على تقديم نفسه باعتباره حامياً للهيئة كمؤسسة، لا حارساً لأعضائها المنحرفين، مؤكداً أن الحماية الوزارية ليست “صك غفران” للمتورطين في اختلاس أموال المواطنين، ولا مظلة تقيهم من المساءلة القانونية.
ولم يتوقف الهجوم عند حدود المكاتب المكيَّفة، بل امتد ليتجاوز البحار، حين رفع الوزير، في خطاب الجمعة ذاته، سقف التهديد بالحديث عن “وجهة كندا” والاتفاقيات الدولية.
كانت تلك رسالة حزم مشفَّرة لكل من يعتقد أن جواز السفر الأجنبي أو الهروب عبر القارات قد يوفّر ملاذاً آمناً للأموال المهرَّبة.
الوزير كان واضحاً: “الهروب الكبير” انتهى، واليد الطولى للقضاء ستصل إلى حيث لا يتوقع خائنو الأمانة.
وفي معركته ضد ما وصفه بـ“الشعبوية”، اختار وهبي السير عكس التيار، رافضاً شعارات “تمييع المهنة” بدعوى العدالة الاجتماعية. فبالنسبة له، التوثيق ليس جمعية خيرية لامتصاص البطالة، بل هو “صمّام أمان” عقاري يتطلب نخبوية في الكفاءة لا في النسب، ومسؤولية في الأداء لا في الشعارات.
لقد وضع الوزير الجميع، في تلك الجمعة، أمام مرآة كاشفة: إما مهنة قوية، مستقرة، ومنضبطة، أو الغرق في مستنقع الوساطات والملاحقات العابرة للحدود.
إنها “مقايضة وهبية” بامتياز، تضع الموثقين بين خيارين لا ثالث لهما: العيش بكرامة مهنية واضحة المعالم، أو مواجهة جحيم المساءلة الذي لن تطفئه أي وساطة، حتى لو بدأت من مكتب الوزير نفسه.
