تُعدّ المعطيات الأخيرة الصادرة عن مركز الأبحاث BMCE Capital Global Research، والتي كشفت عن تجاوز عجز السيولة البنكية حاجز 140 مليار درهم، بمثابة ترمومتر دقيق يقيس درجة حرارة اقتصاد وطني يعيش مفارقة لافتة: استقرار نقدي محكم في الظاهر، مقابل دورة اقتصادية متعثرة في العمق. فما يُقدَّم غالباً في المنابر الإعلامية كـ“تذبذب تقني” عابر، يخفي في جوهره اعتماداً بنيوياً مقلقاً على تدخل البنك المركزي.
ذلك أن ارتفاع تسبيقات بنك المغرب لمدة سبعة أيام إلى مستويات تناهز 58 مليار درهم، لم يعد مجرد آلية ظرفية لضبط السوق، بل تحوّل تدريجياً من دور “مُقرض الملاذ الأخير” إلى “مُقرض الملاذ الأول والدائم”.
وضعٌ يجعل من البنك المركزي بمثابة الرئة الصناعية التي تتنفس بها البنوك، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة النظام البنكي على توليد السيولة ذاتياً عبر تمويل الاستثمار المنتج، بدل الارتهان المستمر لـ“المصل” النقدي.
ويزداد هذا المشهد تعقيداً عند التمعّن في سلوك الفاعلين الماليين، حيث يكشف الإقبال المكثف على سندات الخزينة قصيرة ومتوسطة الأجل عن حالة واضحة من “الهروب نحو الأمان”.
هذا السلوك، المعروف اقتصادياً بـ“أثر الازدحام” (Crowding Out Effect)، يعكس منطقاً عقلانياً على مستوى القرار الفردي، لكنه مكلف جماعياً.
ففي سياق يطبعه عدم اليقين، تفضّل البنوك إقراض الدولة بمخاطرة شبه منعدمة، بدل تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكّل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي، ما يخلق حلقة مغلقة تموّل فيها الدولة نفسها داخلياً، وتحقق البنوك أرباحاً مضمونة، بينما يعاني الاقتصاد الحقيقي من “فقر دم” تمويلي مزمن.
صحيح أن استقرار سعر الفائدة المرجح في حدود 2,25 في المائة، وهدوء مؤشر “مونيا”، يمنحان انطباعاً بالسكينة، غير أن هذا الهدوء ليس نتيجة توازن ذاتي للسوق، بل هو استقرار مُدار بعناية.
كلفة هذا الاستقرار غير مرئية فوراً، لكنها حاضرة بنيوياً: استثمار خاص يُزاحم على الائتمان، أسر قد تواجه ضغوطاً تضخمية غير مباشرة، ومالية عمومية تراكم ديناً داخلياً يبدو أقل كلفة على المدى القصير، لكنه مكلف على المدى البنيوي.
إن التحكم في السيولة يظل هدفاً مشروعاً وضرورياً للحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، غير أن تحويله إلى غاية في حد ذاته، دون ربطه بإقلاع استثماري حقيقي، يفرغه من مضمونه التنموي.
فالمعطيات الحالية لا تعكس أزمة ظرفية طارئة، بل استمرار نمط تدبيري يقوم على تأجيل الاختلالات العميقة بدل تفكيكها، ما يحوّل الاستقرار النقدي إلى مجرد صمام أمان يؤجل الأسئلة الصعبة.
التحدي الحقيقي اليوم يتجاوز لغة الأرقام التقنية ليمس صلب النموذج الاقتصادي: كيف يمكن تحفيز الدرهم لمغادرة “منطقة الراحة” في خزائن السندات، والتوجه نحو المصانع والمشاريع المنتجة؟ فاقتصاد بلا استثمار، مهما بدا مستقراً من حيث السيولة، يظل اقتصاداً يعيش تحت أجهزة الإنعاش، يحافظ على توازن السوق، لكنه يعجز عن ضخ الدماء في عروق التنمية المستدامة.
