لم تعد الأنباء المتداولة حول فتح تحقيقات قضائية في خروقات شابت صفقات “مدارس الريادة” مجرد خبر عابر، بل تحولت إلى لحظة سياسية كاشفة أعادت طرح أسئلة مؤجلة حول منطق تفعيل المحاسبة في تدبير المال العام.
فبينما تتحرك آليات التفتيش والمتابعة بسرعة لافتة في بعض القطاعات، يخيّم صمت ثقيل على قطاعات أخرى لا تقل حساسية ولا كلفة، وفي مقدمتها قطاع الصحة.
إن إحالة ملف صفقات التعليم على رئاسة النيابة العامة، استنادًا إلى تقارير أنجزتها هيئات التفتيش المختصة، كان يُفترض أن تُقرأ باعتبارها خطوة إيجابية في اتجاه تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن هذه الخطوة، بدل أن تبعث على الاطمئنان، أعادت إلى الواجهة مفارقة مقلقة: لماذا لا يُعتمد المنهج نفسه في باقي القطاعات الاجتماعية، خصوصًا تلك التي تُدار بميزانيات ضخمة تحت عناوين الاستعجال والإصلاح؟
في المقابل، يبدو قطاع الصحة وكأنه يتحرك داخل منطقة رمادية بعيدة عن منطق المساءلة العلنية، فرغم تحوله، خلال السنوات الأخيرة، إلى ورش وطني مفتوح في إطار تعميم الحماية الصحية وترسيخ خطاب “الدولة الاجتماعية”، فإن تدفق الصفقات العمومية المرتبطة به من تجهيزات طبية وأدوية وبناء مستشفيات وخدمات صيانة وتدبير نادراً ما يقابله نقاش عمومي موازٍ حول شروط الحكامة والشفافية.
وغالبًا ما تُعالج الاختلالات المسجلة، إن وُجدت، في إطار ما يُسمّى “التصحيح الإداري”، بعيدًا عن المساءلة القضائية الواضحة.
ويُبرَّر هذا الوضع، في الغالب، بطبيعة القطاع نفسه، باعتباره قطاعًا حيويًا يُدار بمنطق الاستعجال وسد الخصاص، حيث تُقدَّم ضرورات “إنقاذ الأرواح” كمسوغ لتبسيط المساطر وتسريع الإجراءات.
غير أن هذا المنطق، حين يتحول إلى قاعدة دائمة، يخلق هوامش واسعة لسوء التدبير، ويُضعف منسوب الرقابة، بدل أن يعززه، مما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية آليات التتبع والمساءلة.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة المساطر، بل في منطق تدبير المحاسبة ذاته، نحن أمام مقاربة انتقائية، تُفتح فيها بعض الملفات حين تنتفي كلفة فتحها سياسيًا، أو حين تصبح جزءًا من إعادة ترتيب توازنات داخلية، بينما تُؤجَّل ملفات أخرى لأنها تمسّ مصالح متشابكة أو توازنات سياسية واقتصادية أكثر حساسية.
في هذا السياق، تتحول المحاسبة من مبدأ دستوري جامع إلى أداة ظرفية لإدارة اللحظة السياسية، أكثر من كونها مدخلًا لتفكيك الاختلالات البنيوية.
هذا الوضع لا يمرّ دون كلفة رمزية، فالانتقائية في المساءلة تُقوّض ثقة المواطنين في خطاب الإصلاح نفسه، فالدولة التي تطلب من المواطن الصبر على أعطاب المستشفى العمومي، وتدعوه إلى الثقة في المشاريع الكبرى، مطالَبة بأن تُظهر القدر نفسه من الحزم في حماية المال العام، بغضّ النظر عن القطاع المعني أو حجم الإحراج السياسي الذي قد يترتب عن فتح الملفات.
إن قيمة التحقيق في صفقات التعليم تظل محدودة إذا لم تكن مدخلًا لاعتماد منهج شامل في المحاسبة، يشمل قطاع الصحة وباقي القطاعات الاجتماعية دون استثناء.
فالمحاسبة، حين تُمارَس بانتقائية، تفقد جوهرها الإصلاحي وتتحول إلى مجرد أداة ظرفية لتدبير التوازنات، بدل أن تكون رافعة حقيقية لتصحيح الاختلالات البنيوية.
وحده تعميم المساءلة، بعيدًا عن منطق الكلفة السياسية، كفيل بإعادة الاعتبار لثقة المواطنين في خطاب الإصلاح وحماية المال العام من منطق الصمت المؤسسي.
