في الوقت الذي تراهن فيه الدولة المغربية على “الدولة الاجتماعية” كخيار استراتيجي لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، يأتي السؤال الكتابي الذي وجّهته النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، ليكشف صورة قاتمة عن واقع تدبير الدعم الغذائي الموجّه لساكنة مخيمات الوحدة بمدينة السمارة.
فقضية بهذا الحجم لا تتعلّق فقط بـ“أكياس دقيق” أو “قوالب سكر”، بل تمثّل تعرية صريحة لثقوب سوداء داخل منظومة الحكامة المحلية، تبتلع حقوق الفئات الأكثر هشاشة.
وتتجلّى أولى هذه الاختلالات، بحسب ما أثاره السؤال البرلماني، في تلاعبات مقلقة داخل اللوائح الاسمية للمستفيدين، حيث يتم الإبقاء على أسماء متوفين مقابل حذف مستفيدين أحياء، في ممارسات تثير شبهة خلق “حصص شبح” يتم تصريفها بعيداً عن أعين الرقابة.
وضع يطرح علامات استفهام ثقيلة حول دور اللجان المحلية المكلّفة بالتتبع والتحقّق، وأسباب غياب التحيين الدوري للمعطيات، رغم ما يفتحه ذلك من مجال واسع للانحراف في تدبير الدعم الاجتماعي.
ولم يتوقّف الأمر عند التلاعب بالأسماء، بل امتدّ إلى مسار التوزيع نفسه، الذي تحوّل إلى ما يشبه “ثقباً أسود”، حيث تشير المعطيات إلى تحويل المواد التموينية من المستودعات العمومية إلى مخازن خاصة خارج المساطر القانونية، في ظروف مريبة تتزامن مع تغييرات مفاجئة في أوقات وأماكن التوزيع.
وهو نهج يُفهم منه سعيٌ إلى عزل العملية عن أي رقابة شعبية أو مجتمعية، وتحويل دعم يفترض أن يكون حقاً اجتماعياً إلى امتياز يتحكّم فيه وسطاء خارج منطق الشفافية والمساءلة.
وفي عمق هذا المشهد، يبرز وجه آخر للتمييز، يتمثّل في حرمان أبناء النساء المتزوّجات من حصصهم التموينية، في خرق واضح لمبدأ المساواة الذي يكفله الدستور، وفي تكريس لعقلية إقصائية ما تزال تقاوم من داخل بعض دواليب الإدارة الترابية، وتنتقص من المواطنة الكاملة للمرأة وامتداداتها الاجتماعية.
الأخطر من كل ذلك، هو ما رافق هذه الاختلالات من تضييق وترهيب طال بعض المشتكين، حيث تشير المعطيات إلى حفظ شكايات الساكنة دون فتح تحقيقات فعّالة، بل وتعرّض بعضهم للتهديد بسبب مطالبتهم بحقهم المشروع في الاستفادة من الدعم.
وهو ما يؤشر على وجود شبكات مصالح محلية محتملة تسعى إلى إقبار كل صوت يطالب بالشفافية، وتقويض ما تبقى من الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وأمام هذا الواقع، يضع سؤال النائبة البرلمانية فاطمة التامني وزارة الداخلية أمام اختبار حقيقي، لا يكتفي ببلاغات التوضيح أو الأجوبة الدبلوماسية، بل يقتضي فتح افتحاص شامل لمسار التموين من مصدره إلى نقطة توزيعه، وتفعيل الإجراءات الزجرية في حق كل من ثبت تورطه، إلى جانب تسريع رقمنة مساطر الاستفادة بما يقطع الطريق على الوسطاء ويحصّن الدعم من كل أشكال العبث.
إن ما يحدث بمدينة السمارة لا يمكن اعتباره حالة معزولة، بل هو جرس إنذار يؤكد أن حماية كرامة المواطن تبدأ من حماية قوته اليومي من مخالب الفساد، في معركة استرداد الثقة التي لا تحتمل أنصاف الحلول ولا سياسة الهروب إلى الأمام.
