خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، اليوم الإثنين، قدم الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع حصيلة تنفيذ قانون مالية سنة 2025، في عرض غلبت عليه لغة الأرقام والمؤشرات الإيجابية.
غير أن هذه الحصيلة، رغم وجاهتها التقنية، تطرح إشكالية جوهرية تتجاوز الحسابات المحاسباتية إلى عمق التحديات الهيكلية التي تواجه الدولة والمجتمع على حد سواء.
فمن الناحية التقنية، لا يمكن إنكار النجاح في تثبيت دعائم الاستقرار الماكرو-اقتصادي، خاصة في ظل سياق دولي مطبوع بالتقلبات الجيوسياسية والأزمات المناخية المتتالية.
فقد استرجعت الميزانية جزءًا من توازنها، وتحسنت احتياطيات العملة الصعبة، وتراجع نسبيًا مستوى مديونية الدولة، وهي مؤشرات تعكس انضباطًا ماليًا صارمًا يمنح المغرب “شهادة ثقة” أمام المؤسسات المالية الدولية، ويوفر هامش أمان لمواجهة أي صدمات خارجية محتملة.
غير أن هذا النجاح الرقمي، مهما بلغت أهميته، يظل في نظر فئات واسعة نجاحًا محاسباتيًا أكثر منه تنمويًا، ما لم يجد طريقه إلى التأثير المباشر في شروط العيش اليومية للمواطن.
وتبرز المفارقة بشكل أوضح عند التوقف عند الارتفاع القياسي للمداخيل الجبائية، الذي قُدِّم باعتباره دليلًا على حيوية النشاط الاقتصادي.
ففي الوقت الذي ترى فيه الحكومة أن الزيادة الكبيرة في الضريبة على الشركات تعكس تعافي الاقتصاد، يعتبر فاعلون اقتصاديون ومحللون أن هذا الارتفاع قد يكون نتيجة ضغط جبائي متزايد وتوسيع لوعاء التحصيل، ليشمل مقاولات تعاني أصلًا من هشاشة التمويل، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تُعد العمود الفقري لأي نسيج اقتصادي متوازن.
وبالمثل، فإن الانتعاش المسجل في مداخيل الضريبة على القيمة المضافة والضريبة الداخلية على الاستهلاك يفتح نقاشًا أخلاقيًا واقتصاديًا حساسًا حول مفهوم “عدالة النمو”.
فجزء معتبر من هذه الموارد يتغذى مباشرة من الارتفاع العام في الأسعار، ما يعني عمليًا أن الدولة تستفيد ماليًا من التضخم، في الوقت الذي تُستنزف فيه القدرة الشرائية للأسر.
هنا تتجلى الفجوة بوضوح بين دولة تعزز قوتها المالية ومجتمع يصارع الغلاء، ليطفو السؤال الجوهري: لمن تُجمع هذه الثروات، إذا لم تتحول إلى خدمات عمومية ذات جودة تمس فعليًا حياة الطبقة المتوسطة والفئات الهشة؟
من جهة أخرى، يظل الرهان على عودة النشاط الفلاحي واستمرارية دينامية القطاعات غير الفلاحية رهانًا ناقصًا ما لم يُقترن بقدرة تشغيلية حقيقية.
فالنمو الذي لا يخلق فرص شغل كافية، ولا يمتص بطالة الشباب والخريجين، هو نمو غير دامج، يساهم في تعميق التفاوتات الطبقية والمجالية بدل تقليصها.
كما أن التحكم في عجز الميزانية وحصر المديونية، على أهميتهما الاستراتيجية، قد يتحولان إلى عبء اجتماعي صامت إذا كانا نتيجة لتقليص الإنفاق الاجتماعي أو تأجيل إصلاحات بنيوية حقيقية في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم.
في المحصلة، تبدو حصيلة سنة 2025 قراءة في نصف الكأس الممتلئ؛ قراءة نجحت في ترتيب البيت المالي للدولة، لكنها لا تزال تتفادى اقتحام “المناطق المظلمة” في الواقع الاجتماعي.
والتحدي الحقيقي الذي يواجه السياسات العمومية في السنوات المقبلة لن يكون تحقيق أرقام قياسية جديدة، بل أنسنة هذه الأرقام، وتحويلها إلى كرامة وعدالة اجتماعية يشعر بها المواطن في جيبه، وفي جودة خدماته، وفي ثقته في مشروع “الدولة الاجتماعية” باعتباره رهانًا فعليًا لا مجرد شعار.
