خرج وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، أمام نواب الأمة بـ“بشرى رقمية” تمثلت في تعبئة مليار درهم لفائدة البحث العلمي، في إطار شراكة بين وزارته والمكتب الشريف للفوسفاط، وذلك خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، اليوم الإثنين، رقمٌ، ورغم ضخامته قياساً بالسنوات العجاف الماضية، يطرح تساؤلاً جوهرياً لا يمكن القفز عليه: هل أزمة البحث العلمي والجامعة في المغرب هي أزمة “سيولة مالية”، أم أزمة “رؤية وحكامة” في تدبير هذا القطاع الاستراتيجي؟
لا يمكن إنكار أن رصد مليار درهم يشكل دفعة قوية ومنعطفاً مالياً غير مسبوق، بل ويضاعف، وفق تعبير الوزير، ما خُصص لهذا القطاع طيلة ثلاثة عقود.
غير أن التجربة المغربية علمتنا أن ضخ الأموال في قنوات يعتريها انسداد هيكلي لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج ملموسة. فالبحث العلمي ليس مجرد غلاف مالي يُرصد، بل منظومة متكاملة تبدأ من المختبر ولا تنتهي إلا عند خط الإنتاج والقيمة المضافة.
وإذا لم يُربط هذا التمويل بمؤشرات أداء دقيقة، وبأولويات بحثية واضحة تستجيب لحاجيات الاقتصاد الوطني، فإن خطر تحوله إلى رقم للاستهلاك السياسي يظل قائماً، بدل أن يصبح رافعة فعلية للتنمية والابتكار.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً حين نضعها في سياق الشراكات الكبرى، من قبيل الشراكة مع المكتب الشريف للفوسفاط، باعتباره فاعلاً اقتصادياً محورياً يتوفر على منظومات بحث وتطوير متقدمة. فنجاح هذا النوع من الشراكات لا يُقاس بحجم المبلغ المُعلن، بل بمدى نقل المعرفة، وتوطين البحث التطبيقي، وربط الجامعة بسلاسل الإنتاج الصناعي، بدل الاكتفاء بتمويل مشاريع أكاديمية معزولة الأثر.
وفي سياق متصل، برز تناقض لافت في معرض رد الوزير على معضلة بطالة الخريجين، حين اختار وضع الكرة في مرمى “النمو الاقتصادي”، معتبراً أن الجامعة لا تخلق مناصب الشغل.
ورغم وجاهة هذا الطرح من الناحية النظرية، إلا أنه يظل تبرئة ناقصة؛ فالجامعة، وإن لم تكن “مُشغِّلاً” مباشراً، فهي مسؤولة بشكل واضح عن جودة التكوين وقابلية تشغيل الخريجين.
إن استمرار اختلالات التوجيه، وضعف التكوين التطبيقي، وهشاشة العلاقة بين المسارات الجامعية وسوق الشغل، كلها عوامل تؤكد أن النمو الاقتصادي وحده لا يكفي، ما لم يُواكَب بإصلاح بنيوي يربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي بشكل عضوي.
ويمتد هذا المنطق ليشمل الرهان على “المنصة الوطنية للغات” التي قدمها الوزير كإنجاز نوعي غير مسبوق.
فرغم أهمية تمكين الطلبة من تعلم خمس لغات، يظل السؤال الجوهري هو مدى إدماج هذا الورش في المسار البيداغوجي الفعلي، ومدى تأثيره الحقيقي على كفايات الطلبة وفرص إدماجهم المهني.
فالتجارب السابقة علمت أن المشاريع الرقمية، مهما كانت طموحة، قد تفقد قيمتها إذا غاب عنها التتبع والتقييم وقياس الأثر.
في المحصلة، لا يكمن الرهان الحقيقي في حجم التمويل المُعبأ، ولا في قوة الشراكات المعلنة، بل في القدرة على تحويل هذا الغلاف المالي إلى معرفة منتِجة، وبحث علمي مرتبط بالتنمية، وجامعة فاعلة في محيطها الاقتصادي والاجتماعي، لا مجرد مؤسسة تستهلك الميزانيات وتراكم الأرقام دون أثر ملموس على أرض الواقع.
