يخيم اسم فاطمة الزهراء المنصوري، خلال الآونة الأخيرة، على كواليس المشهد السياسي المغربي، باعتبارها من بين أبرز الأسماء المتداولة لتولي منصب سامٍ خلال المرحلة المقبلة.
ووفق ما أوردته جريدة “الصباح”، فإن هذا التوجه يُناقَش داخل دوائر القرار الحزبي على نار هادئة، وفي أجواء تنظيمية توصف بالباردة، حيث يُقدَّم احتمال ابتعادها عن خوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لا كإخفاق سياسي أو تراجع عن منطق التنافس الديمقراطي، بل كخيار استراتيجي محسوب للانتقال إلى مستوى مختلف من المسؤولية داخل بنية الدولة.
غير أن هذا الانتقال المحتمل، في حد ذاته، يثير أسئلة أعمق تتجاوز الأشخاص إلى المنهج؛ إذ يعيد إلى الواجهة نمطاً بات مألوفاً في التجربة السياسية المغربية، قوامه تجاوز امتحان الصندوق الانتخابي مقابل الارتقاء عبر منطق التعيين. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام تثمين موضوعي لحصيلة استثنائية، أم أمام إعادة تدوير نخب أتقنت التعايش مع التوازنات القائمة دون السعي إلى إرباكها أو كسرها؟
عند تفكيك حصيلة المنصوري على رأس وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، يصعب رصد اختراقات نوعية في ملفات توصف منذ عقود بالمزمنة.
صحيح أن الوزيرة دافعت عن أدائها بلغة الأرقام، متحدثة عن آلاف المستفيدين من برامج الدعم المباشر للسكن وتسريع وتيرة مشاريع “مدن بدون صفيح”، غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها الاجتماعية، لم تُترجم إلى تحول بنيوي في منطق السياسات العمومية.
فقد ظلت إشكالات العدالة المجالية، وضبط التوسع العمراني، والحد من الريع العقاري، حاضرة بنفس الحدة، ما يوحي بأن المقاربة المعتمدة انحصرت في تدبير الإرث الثقيل أكثر مما اتجهت نحو تفكيك بنيته وإعادة صياغته.
وتتجلى حدود هذا النهج بوضوح أكبر في طريقة تعاطي المنصوري مع “زلزال الحوز”، الذي شكّل لحظة اختبار حقيقية للقيادة السياسية. ففي سياق استثنائي كان فيه الرأي العام ينتظر قرارات غير تقليدية ومبادرات ميدانية سريعة، غلب على خطاب الوزيرة الوصية منطق “التفسير التقني”، مع التركيز على صعوبة التضاريس واحترام معايير السلامة.
ورغم وجاهة هذا الطرح من زاوية إدارية، فإنه أعاد طرح الفارق الجوهري بين مسؤول يُجيد توصيف الإكراهات، وقيادي قادر على ابتكار حلول استثنائية في زمن الاستثناء.
فالزلزال لم يكن مجرد أزمة لوجستية، بل امتحاناً للجرأة السياسية وتوسيع هامش المبادرة، وهو امتحان بدا أن المقاربة المعتمدة تعاملت معه بأدوات اعتيادية باردة.
وعلى المستوى السياسي، بنت المنصوري مسارها على خيار “الهدوء المؤسسي”، وهو ما وفّر لها قبولاً واسعاً داخل دوائر الدولة، لكنه في المقابل أفرغ حضورها السياسي من أي “توتر خلاق”.
فلم تُعرف بمواقف فاصلة أو مبادرات تشريعية جريئة، بقدر ما ترسخت صورتها كفاعلة “آمنة”، منخفضة الكلفة السياسية، وهو بروفايل غالباً ما يُكافأ بالتعيين أكثر مما يُكافأ بثقة الناخبين.
وحتى داخل حزبها، وحسب معطيات “الصباح”، ظل الخطاب الذي تبنته بخصوص محاربة “توريث البرلمان” ونفوذ العائلات السياسية حبيس مستوى النوايا والشعارات، دون أن يُترجم إلى قرارات تنظيمية صارمة قادرة على تفكيك شبكات النفوذ المحلية المتحكمة فعلياً في التزكيات.
يبقى مسار فاطمة الزهراء المنصوري معلقاً بين سرديتين؛ سردية الدولة التي ترى فيها كفاءة هادئة ومنضبطة، وسردية الشارع التي ترى في “الارتقاء نحو الأعلى” دون حصيلة ميدانية ملموسة تكريساً لثقافة “الإفلات من المحاسبة الانتخابية”.
إن المرحلة المقبلة لا تحتمل مسؤولين يكتفون بإدارة الإكراهات أو التلطي خلف “التضاريس الوعرة” لتبرير البطء في الإنجاز.
فهل ستنجح المنصوري في تبديد صورة “الفاعلة الآمنة” لتصنع لنفسها بصمة “رجل الدولة” الذي يواجه الأعطاب البنيوية بجرأة؟ أم أننا أمام فصل جديد من فصول “إعادة تدوير النخب”، حيث تتغير المكاتب والعناوين.. وتظل دار لقمان على حالها؟
