بين لغة الأرقام الصادمة ومنطق المحاسبة الصارمة في مواجهة التدبير المرتجل، رسم التقرير السنوي لـ,”المجلس الأعلى للحسابات” (2024-2025) صورة قاتمة، بل ومزلزلة، لواقع الجامعة العمومية المغربية، كاشفاً عن اختلالات بنيوية تجاوزت مجرد تعثرات عابرة لتصل إلى حد الإخفاق التدبيري الجسيم في إدارة مشاريع البناء واقتناء العتاد العلمي. تشخيص يضع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ومعها رؤساء الجامعات، في صلب المساءلة المؤسساتية، بعدما تحولت وعود “التحول النوعي” إلى ركام من الإسمنت المتعثر وصفقات عتاد تائهة بلا أثر.
تبدأ فصول هذا الإخفاق من الانفجار العددي الذي لم يواكبه أي ذكاء في التخطيط؛ ففي عقد واحد، قفز عدد الطلبة من 541 ألفاً إلى أزيد من 1.1 مليون طالب، وهو ضغط غير مسبوق حوّل مؤسسات، خاصة ذات الاستقطاب المفتوح، إلى بؤر اكتظاظ خانق، حيث ارتفع المعدل من 174 طالباً لكل 100 مقعد إلى 258 طالباً. واقع يعكس عجزاً بنيوياً عن الاستيعاب، واستنزافاً متواصلاً للطاقة التكوينية، وتآكلاً مقلقاً لتجهيزات البحث العلمي.
وعلى مستوى “هندسة البناء”، يكشف التقرير عن تخبط تدبيري واضح؛ فرغم إنجاز 279 مشروعاً بين 2012 و2023، شملت مؤسسات جديدة وتوسعات، ظلت الحصيلة في جوهرها كميةً جافة، بلا روح وظيفية أو تصور ترابي مندمج.
فقد رصد المجلس غياب رؤية استراتيجية دقيقة، ونقائص في التصميم، وضعفاً في تتبع الأشغال.
والأخطر من ذلك هو الاختلال في تسلسل القرار الذي جعل بعض الجامعات تشرع في بناء مؤسسات دون صدور مراسيم إحداثها، مقابل مؤسسات محدثة قانونياً بقيت حبيسة الورق، في تناقض صارخ مع أبسط قواعد التخطيط العمومي الرشيد.
هذا الارتباك لم يقف عند الحدود الإدارية، بل امتد ليُعطّل 31 مشروعاً حيوياً، أي ما يعادل 11% من مجموع المشاريع، ظلت عالقة بسبب غياب رخص البناء أو نزاعات تعاقدية وضعف التتبع، ما أدى إلى ضياع طاقة استيعابية تناهز 5.592 مقعداً.
وتتركز أغلب هذه المشاريع المتعثرة في جامعات كبرى، من قبيل الحسن الثاني، ومحمد الخامس، وسيدي محمد بن عبد الله، بما يحوّل التعثر من حالات معزولة إلى مؤشر اختلال بنيوي.
أما صفقات العتاد العلمي، فلم تكن أوفر حظاً؛ إذ تتم عمليات الاقتناء، بحسب التقرير، بشكل مجزأ ودون مرجعيات واضحة، في غياب استراتيجية للصيانة أو لتعاضد الاستغلال بين المختبرات.
وضع جعل عدداً من المختبرات يعيش حالة شبه شلل تقني، تؤثر مباشرة على جودة البحث والابتكار، وتفرغ الخطاب الرسمي حول الجامعة المنتِجة للمعرفة من مضمونه العملي.
ولم يُخفِ قضاة المجلس الأعلى للحسابات قلقهم من محدودية أثر المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي في أفق 2030، الذي ظل، في تقديرهم، حبيس صيغ عامة تفتقر إلى ترجمة ترابية واضحة، مع غياب خارطة وطنية استشرافية للتعليم العالي، رغم التنصيص عليها صراحة في القانون-الإطار رقم 51.17.
وهو ما يجعل الجامعة العمومية اليوم تواجه، إلى جانب ضغط الأعداد، أزمة حكامة حقيقية، تُفرغ الاستثمار العمومي من جدواه، وتُبقي مشاريع حيوية رهينة الارتجال وضيق الأفق.
وبناءً على هذا التشخيص الدقيق، تبدو الحاجة ملحّة إلى وقفة مؤسساتية مسؤولة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع حداً لمنطق المشاريع “الموقوفة التنفيذ”، عبر تخطيط استشرافي محكم، وحكامة صارمة، ومساءلة فعلية، بما يضمن بناء جامعة قادرة على الاستجابة لانتظارات مغرب المستقبل، لا مجرد إدارة أعطاب الحاضر.
