بينما يصرّ الخطاب الحكومي على تسويق “أمو” كقصة نجاح مكتملة الأركان، جاءت “مقصلة” الأرقام في تقرير المجلس الأعلى للحسابات لتعرّي المسكوت عنه، وتضع الأصابع على تهافت السردية الإحصائية الرسمية.
إننا أمام تشريح دقيق لحالة أقرب إلى “إفلاس مع وقف التنفيذ”؛ فكيف يمكن الاستمرار في الحديث عن “التعميم”، في وقت يؤكد التقرير، بمداد من القلق، أن 30% من المغاربة، أي أكثر من 11 مليون مواطن، لا يزالون خارج التغطية الصحية، عالقين بين عدم الوفاء بالاشتراكات وإخلال المشغلين بالتزاماتهم القانونية؟
إن الجرأة السياسية تقتضي تسمية الأشياء بمسمياتها، كما فعل قضاة الحسابات.
فنحن أمام معطيات تطرح سؤال “الريع الصحي” بحدة غير مسبوقة.
فعندما تكشف الأرقام أن 91% من الأموال المفوترة تذهب لفائدة المصحات الخاصة، مقابل 9% فقط للمؤسسات الاستشفائية العمومية، لا يمكن الحديث عن ورش اجتماعي متوازن، بل عن اختلال عميق في توجيه الموارد العمومية وموارد المنخرطين.
وحتى في نظام “أمو تضامن” المخصص للفئات الهشة، تستحوذ المصحات الخاصة على 79% من النفقات، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول مآل المستشفى العمومي، الذي ظل محرومًا من موارد كان من شأنها تحسين جودة خدماته وصون كرامة المرضى.
وتبرز إحدى أكثر الخلاصات إرباكًا في ما يمكن تسميته “وهم الحماية المالية”.
فالمواطن المؤمن، الذي قُدِّم له “أمو” باعتباره درعًا اجتماعياً، لا يزال يتحمل 34% من الكلفة المباشرة للعلاج من جيبه الخاص، وترتفع هذه النسبة إلى 47% في حالات الأمراض المزمنة والمكلفة.
وهو ما يعني أن المريض في المغرب لا يزال يتحمل جزءًا كبيرًا من عبء علاجه، في ظل تركّز 57% من النفقات، أي حوالي 14 مليار درهم، في الأدوية والاستشفاءات والعمليات الجراحية، وسط استمرار إشكالية غلاء الدواء والاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع.
أما على مستوى الاستدامة، فيرسم التقرير صورة مقلقة للوضع المالي لأنظمة التأمين.
فمعدل تحصيل الاشتراكات لدى العمال غير الأجراء لا يتجاوز 37%، وهو مؤشر يعكس هشاشة الثقة في النظام وقدرته على الاستمرار.
وفي المقابل، تجاوز عدد المنخرطين في “أمو تضامن” 14,5 مليون شخص، متخطياً الهدف المسطر بأكثر من 3,5 ملايين، غير أن هذا التوسع الكمي يخفي اختلالاً بنيوياً أعمق، يتمثل في ضعف إدماج الشباب في سوق الشغل وتحولهم إلى كتلة تعتمد على نظام ممول أساسًا من الميزانية العامة.
ويحذر تقرير المجلس من تسجيل عجز حاد في الأرصدة التقنية لعدد من الأنظمة، لاسيما نظام التأمين الخاص بالموظفين، نتيجة تصاعد نفقات التعويض بوتيرة تفوق تطور الاشتراكات، إضافة إلى عدم احترام الآجال القانونية للبت في ملفات التعويض والتكفل بالعلاج، وهو ما يزيد من الضغط المالي على الأسر ويقوض فعالية التغطية الصحية.
كما وقف التقرير عند أعطاب الحكامة التي تطبع هذا الورش، من قبيل عدم استكمال الإطار القانوني والتنظيمي، والتأخر في تفعيل الهيئة العليا للصحة، وغياب إطار واضح للحكامة المالية يضمن التوازن والاستدامة، فضلًا عن ضعف آليات تقنين النفقات وتحيين التعريفات المرجعية، واتساع الفجوة بين الكلفة الفعلية للعلاج والتكلفة المعتمدة في التعويض.
إنها معطيات تضع ورش “أمو” أمام مفترق طرق حاسم: إما الانتقال إلى إصلاح هيكلي يعيد الاعتبار للمستشفى العمومي، ويضبط العلاقة مع القطاع الخاص، ويضمن حماية صحية فعلية للمواطن؛ أو الاستمرار في منطق التدبير الحالي، بما يحول التغطية الصحية إلى إطار شكلي يملك الأرقام، لكنه يفتقر إلى القدرة الفعلية على حماية الأرواح.
