في خطوة قضائية وسمت المشهد الحقوقي بمراكش، أصدرت غرفة الجنايات أحكامها الابتدائية في واحد من أثقل الملفات المالية المرتبطة بالتدبير الجماعي، ويتعلق الأمر بإدانة العمدة السابق لمدينة مراكش العربي بلقايد والبرلماني يونس بنسليمان بسنتين حبسا نافذا لكل واحد منهما.
وبينما يمنح القانون للمتهمين حق الاستئناف داخل أجل عشرة أيام، فإن منطوق الحكم يفتح باباً واسعاً للنقاش حول الحكامة والمسؤولية.
لم يكن الحكم الابتدائي الصادر عن غرفة الجنايات المختصة في جرائم الأموال بمراكش مجرد إجراء قضائي عابر، بل شكّل لحظة فاصلة في مواجهة ثقافة التدبير الريعي التي اعتقد البعض أنها محصنة ضد المحاسبة.
فإدانة عمدة سابق وبرلماني بسنتين حبسا نافذا لا تختزل في بعدها الشخصي، بل تحاكم منطق التصرف في المال العام بمنأى عن الرقابة الصارمة، وتعيد فتح النقاش حول الطريقة التي دُبّرت بها صفقات مرتبطة بتظاهرة عالمية بحجم مؤتمر “كوب 22”.
هذا الملف، المرتبط بصفقات تناهز قيمتها 28 مليار سنتيم، أعاد إلى الواجهة حدود تبريرات “الاستعجال” و“ضيق الوقت”، التي تحولت في كثير من الحالات إلى مدخل لتجاوز المساطر العادية بدل أن تظل استثناءً مضبوطاً بضوابط واضحة.
فالجرأة اليوم تقتضي القول إن تنظيم تظاهرات دولية كبرى يجب أن يكون فرصة لترسيخ نزاهة المؤسسات وتعزيز الثقة، لا مناسبة لإضعاف قواعد الشفافية والحكامة.
فكيف يمكن للمواطن أن يقتنع بخطاب التنمية، حين تُدبّر اعتمادات ضخمة خارج منطق الرقابة القبلية الفعالة؟
ويضع هذا الحكم الأحزاب السياسية في موقع مساءلة أخلاقية واضحة، إذ إن التزكيات التي تُمنح دون تقدير كافٍ لحساسية مهام تدبير المال العام تسيء إلى شعار “تخليق الحياة العامة” أكثر مما تخدمه.
فالقضاء، وهو يفصل في أفعال معروضة عليه، يبعث بإشارة قانونية قوية مفادها أن استغلال الموقع التمثيلي أو النفوذ السياسي في تدبير الشأن المالي العمومي لم يعد خارج دائرة المساءلة، وأن مرحلة التساهل مع اختلالات التدبير أصبحت محل مراجعة جدية.
أما التعويض المالي المحكوم به لفائدة الدولة، فرغم طابعه الرمزي مقارنة بحجم الاعتمادات موضوع الملف، فإنه يعيد طرح سؤال أعمق يتعلق بكلفة تآكل الثقة العامة في المؤسسات، وهي كلفة لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بمدى تأثيرها على صورة المؤسسات وعلى علاقة المواطن بالشأن العام.
هل تكمن فعالية الأحكام القضائية في مدة العقوبة، أم في رمزيتها وقدرتها على ترسيخ منطق عدم الإفلات من المحاسبة؟
