مع اقتراب العد العكسي للاستحقاقات الانتخابية لعام 2026، تبرز إلى الواجهة تحركات الأحزاب السياسية المغربية لإعادة ترتيب بيتها الداخلي ورسم ملامح خطابها الجديد. وفي هذا السياق، شكلت الدورة الحادية والثلاثون للمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة محطة مفصلية؛ حيث أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للحزب، عن طموح صريح للظفر بالمرتبة الأولى، مستندة إلى دينامية تنظيمية وإنجازات تراها القيادة كافية لتحقيق هذا الانتقال.
غير أن هذا الطموح، ورغم مشروعيته السياسية، يضع الحزب أمام اختبار حقيقي لموائمة تقييمه الذاتي مع الانتظارات المجتمعية المتزايدة.
إن المتأمل في خطاب قيادة “البام” يلحظ تركيزاً لافتاً على معجم أخلاقي يتمحور حول مفاهيم الصدق، الوفاء، وعدم الغدر، وهي محاولة ذكية لترميم الصورة الذهنية للحزب وتحصينه من الهزات التي قد تمس مصداقيته.
لكن السياسة في جوهرها تظل فن تدبير النتائج؛ فالناخب المغربي في 2026 لن يكتفي بتقييم النوايا الأخلاقية، بل سيسائل الحزب عن أثره الملموس في الملفات الحارقة كالقدرة الشرائية والتشغيل وصيانة كرامته الاجتماعية.
وهنا تبرز الفجوة الممكنة بين خطاب “القيم” وبين الحصيلة التقنية للسياسات العمومية التي شارك الحزب في صياغتها وتنفيذها.
وفي سياق متصل، يأتي تصريح المنصوري بأن الحزب غير مستعد لانتقاد الحكومة التي ينتمي إليها ليؤكد نهجاً يقوم على الانضباط التحالفي المطلق.
هذا الموقف، وإن كان يضمن استقرار الأغلبية، إلا أنه يطرح تساؤلات حول الهوية السياسية المستقلة للحزب؛ فالتماهي التام مع الأداء الحكومي قد يحول الحزب إلى شريك يتحمل عبء التعثرات دون أن يمتلك مساحة للمناورة أو ممارسة نقد ذاتي مسؤول يطمئن القواعد الشعبية.
إن التوفيق بين دعم التحالف والحفاظ على التميز الحزبي يظل الخيط الرفيع الذي سيحدد مدى قدرة “البام” على استقطاب الأصوات المترددة.
أما على المستوى التنظيمي، فيبقى نموذج القيادة الجماعية هو المختبر الحقيقي لمدى قدرة الحزب على القطع مع “منطق الزعيم الأوحد”.
هذا الاختيار، رغم طابعه التجديدي، يواجه تحدي النجاعة والسرعة في اتخاذ القرار، خاصة في اللحظات الحاسمة المرتبطة بالتزكيات الانتخابية والمفاوضات الكبرى.
إن انتقال الحزب من مرحلة ترتيب البيت الداخلي إلى مرحلة إقناع الشارع يتطلب عرضاً سياسياً يتجاوز الشعارات التنظيمية نحو برامج ملموسة، فالمسافة بين الصدق كقيمة إنسانية والنجاعة كضرورة تدبيرية هي التي ستحدد ملامح خريطة 2026 وموقع الحزب فيها.
