لم تعد الفيضانات التي اجتاحت مدينة القصر الكبير مجرد واقعة طبيعية تعكس حدّة الاضطرابات المناخية، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لاختلال سياسي يطرح أكثر من علامة استفهام حول منسوب الانسجام بين الخطاب الحزبي والمسؤولية الحكومية.
ففي الوقت الذي كانت فيه الساكنة تواجه ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس وما خلفه من أضرار واسعة، خرجت نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، من داخل أشغال المجلس الوطني للحزب، بدعوة الحكومة المغربية إلى اتخاذ “إجراءات عاجلة” وتعويض المتضررين.
وهنا تبرز مفارقة سياسية لافتة: كيف يمكن لمسؤولة حزبية تنتمي إلى حزب مشارك في التحالف الحكومي أن تخاطب الحكومة وكأنها طرف منفصل عن منظومة القرار التنفيذي؟
إن هذا الخطاب الصادر من قلب المجلس الوطني للحزب يعكس ازدواجية واضحة في التموضع السياسي، حيث يظهر الحزب في موقع “المطالب” رغم كونه جزءاً من بنية “القرار”.
هذا الفصل الخطابي بين الحزب كفاعل سياسي يعبر عن مطالب اجتماعية، والحكومة كجهاز تنفيذي يتحمل مسؤولية التدبير، يفتح نقاشاً مشروعاً حول حدود المسؤولية السياسية في لحظات الأزمات.
فبالنسبة لساكنة الأحياء المتضررة في القصر الكبير، يصعب استيعاب كيف يمكن لمن يشارك في تدبير الميزانيات العمومية وصياغة السياسات أن يكتفي بتوجيه مطالب، بدل تفعيل الآليات المتاحة للتدخل الفعلي، من قبيل تسريع مساطر الدعم أو تفعيل آليات مواجهة الكوارث.
ويزداد هذا النقاش تعقيداً مع محاولة تقديم الكارثة في خطاب موازٍ بنبرة تفاؤلية، حين تم وصف التساقطات المطرية بـ“أمطار الخير” لما لها من أثر إيجابي على الموارد المائية والقطاع الفلاحي.
فرغم وجاهة هذا الطرح من زاوية اقتصادية بعيدة المدى، إلا أن الواقع الميداني يفرض قراءة أكثر توازناً؛ إذ إن امتلاء سد وادي المخازن بنسبة 100 في المائة، دون توفر خطط استباقية تحمي المدينة العتيقة والمناطق المنخفضة من مخاطر الفيضان، يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة سياسات الوقاية التي تشارك في صياغتها الأحزاب الممثلة في الحكومة.
فالمنفعة المستقبلية لا يمكن أن تلغي الخسائر الآنية التي تكبدتها أسر فقدت مساكنها أو تعطلت مصادر عيشها.
وفي مقابل ذلك، ثمّن الحزب التدخل الملكي وتعبئة القوات المسلحة الملكية لتقديم الدعم وبناء الخيام لفائدة المتضررين، وهو تثمين ينسجم مع الدور المركزي للدولة في تدبير حالات الطوارئ.
غير أن هذا المعطى يعيد إلى الواجهة سؤال دور المجالس المنتخبة والسياسات الحكومية في مرحلة ما قبل الأزمة، أي في مجال التخطيط الحضري، وتدبير المجاري المائية، واستباق المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية.
إن ما كشفت عنه حالة القصر الكبير هو أن خطاب التضامن، على أهميته الرمزية والإنسانية، لم يعد كافياً لوحده.
فالرأي العام بات يطالب بوضوح أكبر في تحديد المسؤوليات، وربط الخطاب السياسي بالفعل التنفيذي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحزاب تشارك فعلياً في تدبير الشأن العام. ففي زمن الأزمات المناخية المتكررة، لم يعد النقاش محصوراً في من يتضامن مع من، بل في من يخطط، ومن يستبق، ومن يتحمل الكلفة السياسية والعملية للاختيارات العمومية.
