مع اقتراب كل موعد انتخابي، تعود الأحزاب السياسية إلى استحضار قاموس “الأخلاق” و“النزاهة” بوصفه مدخلاً لإعادة بناء الثقة مع المواطنين.
تصريحات محمد المهدي بنسعيد الأخيرة خلال أشغال المجلس الوطني لحزب حزب الأصالة والمعاصرة تندرج في هذا السياق، لكنها تأتي في لحظة دقيقة تجعل الحزب، ومعه الحياة السياسية برمتها، أمام اختبار حقيقي؛ فبين خطاب “التخليق” الجذاب وواقع الممارسة اليومية، تتسع فجوة لا يمكن ردمها بالشعارات وحدها، بل بمراجعات عميقة تمس جوهر الاختيارات الحزبية وأنماط تدبير المسؤولية.
حديث بنسعيد عن فتح المجال أمام الشباب والكفاءات باعتباره مدخلاً لإعادة الثقة في السياسة، يصطدم بواقع النخب الانتخابية التقليدية التي ما تزال تهيمن على مفاصل القرار داخل عدد من الأحزاب.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يملك الحزب الجرأة لإعادة النظر في معايير الترشيح، والانتقال من منطق النفوذ المالي والإمكانات غير المتكافئة إلى منطق الكفاءة والاستحقاق؟ فالتخليق الحقيقي لا يبدأ من تعديل القوانين فقط، بل من داخل “مطابخ” القرار الحزبي، حيث ظلت شبكات مصالح انتخابية تجد دائماً هوامش للمناورة داخل النصوص مهما بلغت درجة إحكامها.
ولا يمكن الحديث عن النزاهة دون استحضار الهزات السياسية المتتالية التي عرفها المشهد الوطني في السنوات الأخيرة، والتي عمّقت منسوب الشك لدى جزء واسع من الرأي العام.
في هذا السياق، تضع دعوة بنسعيد إلى تخليق العملية الانتخابية حزبه أمام مرآة صارمة: إما تقديم نموذج عملي يقوم على وضوح المعايير وربط المسؤولية بالمحاسبة، أو الاكتفاء بخطاب تجميلي يعيد إنتاج المسافة نفسها بين القول والفعل.
فامتحان المصداقية لا يُجتاز بالبلاغات الإنشائية، بل بآليات داخلية شفافة تقطع الطريق أمام كل ما يثير نقاشات عمومية مرتبطة بالحكامة وتضارب المصالح.
أما موقف بنسعيد الإيجابي من الاحتجاج السلمي، فيمكن قراءته كمحاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الأحزاب وفضاءات التعبير الجديدة، خاصة في ظل تحوّل الفضاء الرقمي إلى مجال واسع للنقاش العمومي بعد تراجع ثقة فئات شبابية في الوسائط التقليدية.
غير أن الدعوة إلى إشراك الشباب تظل محدودة الأثر إذا لم تُترجم إلى تمكين فعلي داخل مواقع القرار، بدل الاكتفاء بأدوار رمزية خلال الحملات الانتخابية أو في واجهات تنظيمية بلا تأثير حقيقي.
وعلى مستوى السياسات العمومية، فإن ربط الوطنية بالعدالة الاجتماعية والمجالية يعكس إدراكاً ضمنياً باستمرار الفوارق بين المجالات الترابية، رغم ما يرافق قوانين المالية من أرقام واعتمادات معلنة.
فبالنسبة لساكنة المناطق القروية والجبلية، لا تكمن الإشكالية في حجم الاستثمارات المعلنة بقدر ما تكمن في أثرها الملموس على شروط العيش اليومية، وهو ما يجعل الخطاب السياسي مطالباً بالانتقال من منطق الترويج الرقمي للأرقام إلى منطق تقييم النتائج على الأرض.
كما أن الرهان على تنظيم تظاهرات كبرى، مثل كأس إفريقيا أو الاستعدادات المرتبطة بالمونديال، رغم أهميته الاستراتيجية، لا ينبغي أن يتحول إلى واجهة تُخفي نقاشاً ضرورياً حول أعطاب التدبير الحزبي والمؤسساتي.
فالمعركة الأساسية اليوم ليست تقنية ولا قانونية فحسب، بل هي معركة استعادة الثقة في الفعل السياسي، والقطع مع أنماط الريع، وربط الخطاب القيمي بممارسة منسجمة قادرة على إقناع المواطن بأن التخليق ليس مجرد عنوان ظرفي، بل مساراً سياسياً قابلاً للتحقق.
