لم يكن توجيه عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، لمناضلي حزبه بالالتزام بالصمت وعدم الخوض إعلامياً في تفاصيل الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بمراكش في ملف صفقات “كوب 22”، مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل عكس تحوّلاً لافتاً في منسوب الخطاب السياسي لرجل ارتبط اسمه، لسنوات، بخطاب دفاعي قوي عن نزاهة عدد من قيادات حزبه.
فبنكيران، الذي عبّر في مراحل سابقة عن ثقته الكبيرة في العمدة السابق محمد العربي بلقايد، وذهب بعيداً في التأكيد على مسؤوليته السياسية والأخلاقية في الدفاع عنه، اختار هذه المرة نبرة مغايرة تماماً، عنوانها الاحتكام إلى القضاء وتجميد النقاش العمومي.
انتقال لا يمكن فصله عن حساسية الظرف، ولا عن ثقل الملف الذي لم تعد تجدي معه لغة التطمينات السياسية أمام منطق الأحكام القضائية النافذة.
القضية، المرتبطة بصفقات تنظيم مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ بمراكش سنة 2016، عادت بقوة إلى الواجهة بعد الحكم بسنتين حبساً نافذاً في حق العمدة السابق ونائبه الأول، وهي أحكام أعادت فتح نقاش قديم ـ جديد حول حدود المسؤولية السياسية، والفاصل الدقيق بين الدعم الحزبي والالتزام الصارم بالمساطر القانونية المؤطرة لتدبير المال العام.
لكن اللافت في موقف بنكيران الحالي هو هذه الفرملة الواضحة لمنسوب التعبئة الخطابية داخل الحزب.
فالرجل الذي كان يراهن سابقاً على الدفاع السياسي لتبديد الشكوك المحيطة بالمتابعة، بدا هذه المرة أكثر حذراً، مدركاً أن أي خطاب عاطفي اليوم قد يُفهم كاصطدام مباشر مع السلطة القضائية أو كتأويل سياسي لأحكام نطقت بها المحكمة.
هذا التحول يعكس، في العمق، إدراكاً جديداً لطبيعة المرحلة. فالحزب الذي عاش تراجعاً انتخابياً مؤلماً، وأدرك كلفة الخلط بين الثقة السياسية والتدبير الإداري، صار أكثر ميلاً إلى إدارة أزماته بمنطق تقليل الخسائر بدل رفع سقف المواجهة الخطابية.
وهو منطق يطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام مراجعة حقيقية لأسلوب تدبير الأزمات داخل الحزب، أم مجرد تكيّف ظرفي فرضته صدمة الواقع القضائي؟
في كل الأحوال، فإن الانتقال من خطاب الثقة السياسية المطلقة إلى خطاب الصمت وانتظار كلمة القضاء يعكس تحوّلاً أوسع في سلوك الفاعلين الحزبيين، مفاده أن زمن المزايدات الكلامية أمام الملفات القضائية الثقيلة لم يعد مضمون العواقب، وأن السياسة، مهما بالغت في خطابها، تبقى خاضعة في النهاية لميزان العدالة.
