من جديد، تتحرك الآلة الحكومية لمواجهة تداعيات الفيضانات التي شهدتها مناطق بشمال وغرب المملكة، مدفوعة بتعليمات ملكية سامية شددت على ضرورة التعبئة الشاملة وتسريع وتيرة التنفيذ.
وفي هذا الإطار، خصصت الحكومة غلافاً مالياً إجمالياً قدره 3 مليارات درهم لدعم المتضررين، معلنةً عن مساعدات مالية تتراوح بين 6.000 درهم كدعم استعجالي للأسر، و15.000 درهم لتأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة، وصولاً إلى 140.000 درهم لإعادة بناء البيوت المنهارة.
في الظاهر، تعكس هذه الحزمة توجهاً يقوم على السرعة والتبسيط، من خلال اعتماد آلية رقمية تبدأ برسالة نصية إلى الرقم 1212 تتضمن رقم البطاقة الوطنية وتاريخ الازدياد، قصد التحقق من المعطيات ودراسة الطلبات.
وهي خطوة تؤشر على إرادة تقليص المساطر وتعزيز النجاعة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق المنصة، بل في ضمان فعاليتها الميدانية، خاصة في مناطق تضررت فيها البنيات الأساسية وفقد بعض المواطنين وثائقهم أو وسائل التواصل.
العنصر الحاسم اليوم هو الزمن.
فقد وعدت الحكومة بصرف الدعم الاستعجالي ابتداءً من الأسبوع المقبل، وهو التزام يجعل سرعة التنفيذ معياراً مركزياً لقياس نجاح البرنامج.
فكلما تقلصت المسافة بين القرار والإجراء، تعززت الثقة وترسخت صورة إدارة قادرة على الاستجابة في أوقات الطوارئ. أما التأخر، مهما كانت مبرراته التقنية، فيعيد طرح الأسئلة نفسها حول فعالية التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وتكتسب هذه السرعة أهمية إضافية في ضوء تجارب سابقة في تدبير الكوارث الطبيعية، حيث واجهت بعض عمليات الإعمار تحديات مرتبطة بتعقيد المساطر وتعدد الجهات المتدخلة.
ويبدو أن المقاربة الحالية تسعى إلى الاستفادة من تلك التجارب عبر تشخيص ميداني دقيق ولجان محلية مكلفة بالإحصاء وتتبع الملفات، بما يضمن وضوحاً أكبر في المعايير وتنظيماً أفضل في المعالجة.
ولا يقتصر البرنامج على التعويضات السكنية، بل يشمل مواكبة الفلاحين المتضررين من خلال إطلاق برنامج للزراعات الربيعية، من قبيل القطاني والزراعات الزيتية والكلئية، مع دعم اقتناء البذور والأسمدة، إضافة إلى مواصلة دعم الكسابة.
وهنا يبرز عامل التوقيت مجدداً، لأن نجاح هذا الشق مرتبط باحترام الآجال الزراعية وضمان وصول الدعم في اللحظة المناسبة من الموسم الفلاحي.
الحقيقة أن الاختبار اليوم ليس في حجم الاعتمادات المرصودة، بل في قدرة الإدارة على تحويل التشخيص الميداني إلى نتائج ملموسة في حياة المتضررين.
فتبسيط المساطر، وضبط لوائح المستفيدين، وتسريع وتيرة المعالجة، كلها عناصر تحدد ما إذا كانت هذه الحزمة المالية ستتحول إلى دعم فعلي يخفف آثار الأزمة، أم ستتأخر بفعل إكراهات إجرائية.
إن الرهان اليوم يتجاوز مجرد جبر الأضرار المادية؛ إنه رهان على ترسيخ نموذج أكثر فاعلية في إدارة الأزمات، يقدّم النجاعة الميدانية على تعقيد المساطر. وإذا ما نجحت الحكومة في احترام آجال صرف الدعم الاستعجالي بسلاسة، فإنها لن تخفف فقط من آثار الأزمة، بل ستعزز أيضاً منسوب الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة اللجان المحلية والآليات التقنية على تحويل لغة الأرقام إلى أثر ملموس في حياة المتضررين، حتى يشكل هذا البرنامج محطة متقدمة في مسار تطوير الاستجابة الوطنية للطوارئ.
