عندما يسقط طالب قانون من شرفة الطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، فإن الحدث لا يبقى في حدود المعطى الطبي وحده، بل يتحول إلى اختبار حقيقي لمستوى الشفافية في تدبير الوقائع الحساسة.
فالتشريح الطبي يحسم في سبب الوفاة الفيزيائي، لكنه لا يجيب وحده عن جميع الأسئلة المرتبطة بالسياق الإجرائي الذي سبقها، ولا عن التسلسل الزمني الكامل للحظات التي سبقت السقوط.
البلاغ الصادر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أوضح أن المعني بالأمر أقدم على القفز من نافذة بالطابق الرابع أثناء إخضاعه للبحث، مضيفاً أن نتائج التشريح الطبي، المنجز من طرف لجنة طبية ثلاثية، خلصت إلى أن الوفاة ناجمة عن رضوض وكسور متعددة ونزيف سحائي، وهي إصابات تتوافق طبياً مع السقوط من علو مرتفع.
كما جاء البلاغ منسجماً مع معطيات وردت في بلاغ سابق للمديرية العامة للأمن الوطني.
غير أن حساسية الفضاء الذي وقع فيه الحادث مرفق أمني مركزي تجعل من المشروع طرح تساؤلات تتجاوز السبب الطبي إلى سياقه.
فالفرقة الوطنية للشرطة القضائية جهاز يتولى عادة الأبحاث ذات الطابع المعقد أو الممتد ترابياً أو المرتبط بجرائم كبرى.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: ما طبيعة الملف الذي استدعى حضور الطالب إلى هذا الجهاز تحديداً؟ وما السند القانوني الذي برر الإحالة إلى مستوى مركزي بدل معالجته ضمن الاختصاص الترابي العادي إن كان الأمر يتعلق بقضية ذات طابع محدود؟
في هذا الإطار، أثارت قراءة قانونية نشرها المحامي رشيد آيت بلعربي على حسابه الشخصي بمنصة فيسبوك نقاشاً موازياً حول مضمون البلاغ.
ففي تدوينة مطولة، اعتبر أن النيابة العامة استندت إلى مقتضيات المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية، التي تخول لها إطلاع الرأي العام على المعطيات الأساسية للقضايا الجارية، غير أنه رأى أن البلاغ
بحسب تقديره لم يستوفِ الغاية الكاملة من “تنوير الرأي العام”، إذ ركز على تحديد سبب الوفاة دون التوسع في المعطيات المرتبطة بالسياق الإجرائي.
وأوضح أن تنوير الرأي العام، في مثل هذه الوقائع، يقتضي عرض تفاصيل إضافية، من بينها أسباب وجود الشاب بمقر الفرقة الوطنية، وطبيعة القضية موضوع البحث، وهوية الأشخاص الذين كانوا على اتصال مباشر به قبل الحادث، إضافة إلى توضيح ما إذا تم الاطلاع على تسجيلات كاميرات المراقبة داخل المقر الأمني.
كما أشار إلى أن إصدار خلاصات حاسمة في مرحلة مبكرة قد يضع الجهة المصدرة للبلاغ أمام إشكال إذا ظهرت لاحقاً معطيات جديدة، مؤكداً في المقابل أنه لا يتهم أي جهة بالتسبب في الوفاة ولا يشكك بشكل قاطع في الرواية الرسمية، وإنما يدعو إلى توسيع دائرة المعطيات المقدمة للرأي العام في إطار البحث القضائي الجاري.
السؤال المطروح إذن ليس تشكيكاً، بل بحث عن وضوح أكبر: ما طبيعة مذكرة البحث الصادرة في حق المعني بالأمر؟ من هم الأشخاص الذين تواصلوا معه خلال فترة وجوده بالمقر؟ وما هي الإجراءات الوقائية المعتمدة داخل المقرات الحساسة لحماية الأشخاص رهن البحث من أي خطر محتمل؟
في زمن الرقمنة والمراقبة التقنية، يبرز عنصر التوثيق كعامل حاسم في حسم الجدل.
فوجود تسجيلات كاميرات مراقبة إن كانت متوفرة يمكن أن يوفر تسلسلاً زمنياً دقيقاً للأحداث ويضع حداً للتأويلات المتعددة.
نشر المعطيات التقنية، في حدود ما يسمح به القانون ويحفظ سرية البحث، لا يُعد رضوخاً لضغط الرأي العام، بل ممارسة تواصلية تعزز الثقة في المؤسسات.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظل تصريحات أسرة الراحل التي تحدثت عن شكاية سابقة تقدم بها ضد موظفة شرطة، معتبرة أن هذا المعطى يستدعي توضيحاً رسمياً دقيقاً بشأن طبيعة العلاقة بين الملفين، إن وُجدت، تفادياً لأي التباس في فهم المسار الإجرائي.
القضية اليوم لا تتعلق بإطلاق الاتهامات، بل بتكريس مبدأ أساسي في دولة القانون: كلما كان الملف أكثر حساسية، كان مستوى الشفافية المطلوب أعلى.
فالثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط عبر إعلان سبب الوفاة، بل عبر كشف السياق الكامل الذي أحاط بها، وتوضيح الإجراءات المتخذة، وطمأنة الرأي العام بأن القانون كان الإطار الوحيد لما جرى، في انتظار ما ستسفر عنه نتائج البحث القضائي المفتوح.
