تعيد وزارة الداخلية رسم حدود الرقابة على الجماعات الترابية في لحظة سياسية دقيقة، عنوانها المعلن حماية المال العام، وسياقها غير المعلن اقتراب الاستحقاقات المقبلة.
فعدد من الجماعات بجهات الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة ومراكش–آسفي دخلت مرحلة تشديد إداري واضح، بعد تفعيل آليات وصاية أكثر صرامة بخصوص منح الدعم للجمعيات وتدبير عقود العمال العرضيين.
المعطيات التي أوردها موقع هسبريس، استناداً إلى مصادر مطلعة، تفيد بأن عمال العمالات والأقاليم توصلوا بتوجيهات من المصالح المركزية تقضي بسحب بعض الصلاحيات من منتخبين، ورفض التأشير على ملفات دعم وقرارات تشغيل يُشتبه في ارتباطها باستعمال ذي خلفية انتخابية للمال العام.
هذه التحركات تستند إلى مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، ولا سيما المادة 94 وما يليها، التي تخول لسلطة الوصاية مراقبة مشروعية قرارات المجالس.
في السياق ذاته، جرى التذكير بدوريات سابقة لوزارة الداخلية تؤطر تشغيل العمال العرضيين، وتحذر من الاسترسال في إصدار أوامر الالتزام بما قد يفضي إلى نشوء حالات استمرارية تُرتّب حقوقاً مكتسبة بموجب مدونة الشغل.
هذا البعد التقني ليس تفصيلاً إدارياً، بل يرتبط بتوازنات مالية دقيقة، خصوصاً أن عدداً من الجماعات يعاني عجزاً هيكلياً يجعل أي التزام غير مدروس عبئاً طويل الأمد على ميزانياتها.
وتشير المعطيات المتداولة إلى تقارير رفعت إلى الإدارة المركزية حول شبهات تضارب مصالح في توزيع منح لفائدة جمعيات يُشتبه في ارتباط مسيريها بمنتخبين، إضافة إلى رصد اختلالات في تدبير بطاقات الإنعاش الوطني ووجود عمال مؤقتين دون محاضر توثق طبيعة المهام المنجزة.
هذه المؤشرات دفعت سلطات الوصاية إلى رفض عدد من ملفات الدعم والتنبيه إلى مخاطر توظيف موارد الجماعات خارج إطارها القانوني.
غير أن جوهر الإشكال يتجاوز البعد الإجرائي.
فالتطور الحالي يضع مبدأ التدبير الحر، الذي كرسه دستور 2011، أمام اختبار عملي. استقلالية القرار المحلي ليست مطلقة، بل تظل مقيدة باحترام قواعد الشفافية والمشروعية، في حين تبقى الوصاية الإدارية آلية لضبط الانحرافات المحتملة، لا بديلاً عن الرقابة الذاتية داخل المجالس المنتخبة.
سياسياً، تعكس هذه الإجراءات توجهاً لتحصين المسار الانتخابي من أي ممارسات قد تُفهم على أنها تعبئة مبكرة بوسائل عمومية، خصوصاً حين يتقاطع الدعم الجمعوي مع الفعل السياسي المحلي.
لكن فعالية هذه المقاربة لن تقاس بعدد الملفات المرفوضة فحسب، بل بمدى تحويل الرقابة الظرفية إلى ثقافة مؤسساتية دائمة، تقوم على نشر المعطيات المالية، وتعزيز آليات الافتحاص الداخلي، وترسيخ قواعد واضحة لتدبير الدعم والتشغيل المؤقت.
في النهاية، تبدو اللحظة الحالية اختباراً لنضج اللامركزية المغربية. فإما أن تتحول إجراءات الوصاية إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين المنتخب والمال العام وفق معايير الحكامة الجيدة، وإما أن تبقى تدخلاً ظرفياً تمليه رهانات المرحلة.
الرهان الجوهري يظل واحداً: تعزيز ثقة المواطن في أن الجماعة الترابية فضاء خدمة عمومية خاضع للمساءلة، لا ساحة رمزية لتداخل السياسة بالموارد العمومية.
