دخل القرار الوزاري المشترك رقم 1250، الصادر عن وزارة الداخلية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، حيز التنفيذ، محدداً معايير دقيقة لسيارات نقل الأموات، من بينها الاكتفاء بعبارة “نقل الأموات” فقط، ومنع أي عبارات أخرى، بما في ذلك الشعارات الدينية التي درج العمل على اعتمادها لسنوات طويلة.
القرار في ظاهره تنظيمي يندرج ضمن توحيد المعايير الصحية والسلامة، وضبط شكل ومواصفات العربات المخصصة لنقل الجثامين.
غير أن النقاش الذي أثاره تجاوز الجانب التقني إلى سؤال رمزي أعمق: ما حدود حضور التعبير الديني في الفضاء العام؟ وأين ينتهي التنظيم الإداري ويبدأ المجال الثقافي؟
لا خلاف حول ضرورة تقنين قطاع نقل الأموات.
فكرامة المتوفى مقصد شرعي قبل أن تكون التزاماً قانونياً وقد أجمع الفقهاء على أن “حرمة الميت كحرمته حياً”، وهو أصل معتبر في أبواب الجنائز.
كما أن مراعاة شروط الصحة والسلامة تدخل ضمن قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، وهي قاعدة فقهية كلية تجيز اتخاذ تدابير استثنائية عند وجود مخاطر وبائية أو صحية.
غير أن حذف العبارات الدينية من سيارات نقل الأموات يطرح سؤالاً فقهياً مختلفاً: هل هذه العبارات تدخل ضمن الشعائر التعبدية الملزمة، أم ضمن العادات الثقافية؟
الفقه الإسلامي يميز بين “العبادات” و”العادات”.
فالعبادات توقيفية لا يُزاد فيها ولا يُنقص إلا بدليل، أما العادات فالأصل فيها الإباحة ما لم تخالف نصاً أو مقصداً شرعياً.
كتابة الشهادتين أو بعض الآيات على وسائل النقل ليست جزءاً من أركان تجهيز الميت، ولا من شروط صحة الدفن، ولا من الواجبات الشرعية في الجنائز، بل هي ممارسة عرفية درج عليها المجتمع تعبيراً عن هوية دينية وثقافية.
من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار منعها مساساً بشعيرة دينية في ذاتها، ما دام أصل التجهيز والغسل والصلاة والدفن محفوظاً.
غير أن الفقه نفسه يقر بأن “العادة محكمة”، أي أن العرف إذا استقر وأصبح جزءاً من السلوك العام، فإنه يكتسب وزناً اعتبارياً ما لم يخالف الشرع أو النظام العام.
هنا يتقاطع الفقهي بالدستوري. فالدستور المغربي ينص على أن الإسلام دين الدولة، مع ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية للجميع.
وهذه الصيغة تؤسس لفضاء عام ذي مرجعية إسلامية، لكنه غير مغلق أمام التعدد.
لذلك فإن السؤال ليس فقهياً صرفاً، بل هو سؤال في تكييف العلاقة بين العرف الديني والحياد الإداري.
كما أن مبدأ “سد الذرائع” الذي يُستعمل في الفقه لمنع ما قد يؤدي إلى مفسدة، يقابله في القانون الإداري مبدأ “التناسب”.
فإذا لم تكن هناك مفسدة ظاهرة في وجود العبارات الدينية، فإن الإجراء التنظيمي يحتاج إلى بيان واضح لضرورته، حتى لا يُفهم كإلغاء غير مبرر لعرف مستقر.
في المقابل، يمكن الاستناد أيضاً إلى مقصد شرعي آخر، هو “تحقيق المصلحة العامة”، الذي يجيز لولي الأمر تنظيم ما يدخل في دائرة المباح، إذا اقتضت المصلحة ذلك.
غير أن هذا التنظيم يبقى مشروطاً بألا يمس جوهر الثوابت، وألا يتحول من تنظيم تقني إلى إعادة تعريف رمزي غير معلنة لطبيعة الفضاء العمومي.
النقاش، إذن، لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية “مع الدين” أو “ضد الدين”، بل في سؤال أعمق: كيف تُدار العادات ذات الحمولة الدينية داخل مجال تنظمه الدولة بقواعد معيارية موحدة؟ وكيف يُوازن بين حفظ الكرامة، واحترام العرف، وضمان المساواة بين جميع المواطنين؟
في قضايا تمس الموت والرمز والهوية، لا يكفي أن يكون القرار قانونياً من حيث الشكل، بل ينبغي أن يكون مفهوماً من حيث فلسفته، ومقنعاً من حيث ضرورته، ومطمئناً من حيث أثره الاجتماعي.
فالفقه يعترف بسلطة التنظيم، لكنه يوصي أيضاً بمراعاة الأعراف ما دامت لا تُخل بثابت ولا تُحدث ضرراً.
وبين التنظيم المشروع واحترام الرمز، تبقى المعادلة دقيقة… لكنها ليست مستحيلة.
