تستعد الرباط لاحتضان ورشة إقليمية من المقرر أن تنظمها لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، الأونسيترال، من 3 إلى 5 يونيو 2026، حول تنفيذ إصلاح نظام تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول، في موعد قانوني واقتصادي يتجاوز طابعه التقني ليضع ملف العقود الاستثمارية الكبرى تحت المجهر.
وحسب المعطيات المنشورة على الصفحة الرسمية للأونسيترال، ستنعقد الورشة بقصر المؤتمرات أبي رقراق بالرباط، وستخصص لدعم الدول النامية والإفريقية في فهم وتنفيذ الإصلاحات المرتبطة بنظام تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول، المعروف اختصاراً بـ ISDS.
قد يبدو العنوان نخبوياً وبارداً، لكنه يفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية في زمن الاستثمار المفتوح، حين يتحول الخلاف بين الدولة والمستثمر الأجنبي إلى نزاع دولي، وتصبح حماية المال العام والقرار العمومي جزءاً من معركة قانونية دقيقة.
تأتي هذه الورشة في سياق دولي يعرف نقاشاً واسعاً حول إصلاح نظام ظل يثير أسئلة دقيقة بشأن التوازن بين حماية المستثمر من جهة، وحماية حق الدولة في تنظيم سياساتها العمومية من جهة أخرى.
فقد عهدت الأونسيترال منذ سنة 2017 إلى فريق العمل الثالث بمهمة واسعة تتعلق بإصلاح آليات تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول، في محاولة لإعادة النظر في قواعد أثارت كثيراً من الجدل داخل الدول النامية.
بالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر باستضافة بروتوكولية لورشة دولية فقط، بل بملف يلامس صلب المرحلة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.
فالمملكة تراهن على استثمارات كبرى في البنيات التحتية، الطاقة، الماء، النقل، الموانئ، السكك الحديدية، والمشاريع المرتبطة بالاستحقاقات الدولية المقبلة، وهي مجالات لا تحتاج فقط إلى الرساميل، بل إلى عقود محكمة وهندسة قانونية قادرة على تقليص المخاطر عند وقوع الخلاف.
فالاستثمار ليس رقماً جميلاً في بلاغ رسمي، ولا صورة جماعية بعد توقيع اتفاقية.
الاستثمار عقد، والعقد ميزان، والميزان لا يرحم من يدخل المفاوضات بمنطق الإعلان أكثر من منطق الحماية.
وتكتسب الورشة أهمية إضافية بالنظر إلى المبادرة التي سبق أن أعلنتها وزارة العدل في نونبر 2025، والمتعلقة بسعي المغرب إلى استضافة مركز استشاري لتسوية المنازعات الاستثمارية الدولية، بهدف دعم الدول، خصوصاً النامية، في مواجهة كلفة المنازعات الاستثمارية وتحسين جودة الدفاع القانوني في هذا النوع من الملفات.
هذه المبادرة تمنح الرباط موقعاً متقدماً داخل النقاش الدولي حول إصلاح نظام التحكيم الاستثماري، لكنها تضع في الوقت نفسه سؤال الجاهزية القانونية أمام الواجهة.
ففي زمن المشاريع الضخمة، لا تكفي سرعة جلب الرساميل وحدها.
الأهم أن تعرف الدولة بأي شروط تستقبلها، وبأي ضمانات تحمي نفسها، وبأي قدرة تفاوضية تمنع أن تتحول التنمية إلى فاتورة تحكيم دولي باهظة.
لذلك تبدو ورشة الرباط أكثر من لقاء قانوني متخصص.
إنها تذكير بأن المخاطر الكبرى لا تظهر دائماً في لحظة قصّ الشريط، بل قد تختبئ في بند صغير، داخل عقد طويل، ينتظر أول خلاف ليكشف حجمه الحقيقي.
