في ظرف أقل من سنة، رُصد لقطاع السياحة ما يفوق 17 مليار سنتيم بين برنامج رقابي ضخم ودراسة استراتيجية جديدة.
ففي أواخر ماي 2025، أعلنت وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني إطلاق نظام “الزبون السري”، بغلاف مالي يناهز 14.7 مليار سنتيم، مع وعود بإعادة ضبط الجودة ومراجعة التصنيف الفندقي عبر زيارات ميدانية غير معلنة.
وبعد ذلك، أطلق المكتب الوطني المغربي للسياحة صفقة بقيمة 2.5 مليون درهم لإنجاز دراسة حول “الطلب المحتمل لكل منتج سياحي”.
الرقم الإجمالي ثقيل. لكن الثقل الحقيقي ليس في الميزانية، بل في السؤال: ماذا تغيّر فعلياً في السوق؟
الأرقام لا تجامل.
حصة السياحة الداخلية تراجعت من 70% سنة 2021 إلى 30% سنة 2024 بعد إعادة فتح الحدود.
هذا التحول لا يحتاج إلى تحليل نفسي معقد بقدر ما يحتاج إلى قراءة اقتصادية بسيطة: السائح يقارن بين السعر والقيمة.
وعندما يشعر بأن التكلفة لا تعكس الجودة، يتخذ قراره بهدوء.
في هذا السياق، يبدو إطلاق دراسة جديدة وكأنه إعادة طرح لسؤال يعرف السوق إجابته عملياً.
تقييمات المنصات الرقمية، شكايات المستهلكين، والفوارق الموسمية في الأسعار كلها مؤشرات واضحة.
السؤال لم يعد “من هو السائح؟” بل “لماذا لا يشعر بالإنصاف داخل السوق الوطنية؟”
المفارقة أن أداة التصحيح موجودة منذ صيف 2025.
فقد قُدم “الزبون السري” كآلية صارمة لكشف الفجوة بين النجوم المعلقة على الواجهة والتجربة الفعلية داخل الغرفة.
لكن بعد مرور أشهر، لا توجد تقارير مفصلة منشورة للرأي العام حول حصيلة هذا البرنامج.
من المشروع إذن أن يُطرح السؤال بلا انفعال:
كم زيارة أُنجزت؟
كم مؤسسة خضعت لإعادة تقييم؟
هل تم تعديل تصنيفات أو فرض آجال تصحيح إلزامية؟
وهل انعكس ذلك على استقرار الأسعار أو تحسن مستوى الخدمة؟
الشفافية هنا ليست ترفاً.
في قطاع يعتمد على الثقة، نشر النتائج جزء من الإصلاح نفسه.
فكل درهم يُرصد للرقابة أو الدراسة يجب أن يُقابله مؤشر أداء قابل للقياس.
الاستقراء لا يفترض سوء نية، لكنه يلاحظ نمطاً: كلما ارتفع التوتر في السوق، أُطلقت مبادرة جديدة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في كثرة الأدوات، بل في سرعة تحويل نتائجها إلى قرارات ملموسة
خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتسعير الموسمي، وضبط التصنيف، ومعايير الجودة.
السياحة ليست عرضاً تقديمياً ولا رقماً في وثيقة استراتيجية.
إنها تجربة تُقارن يومياً بوجهات أخرى لا تنتظر.
وإذا ظل المستهلك يصوّت بميزانيته خارجياً، فإن ذلك مؤشر لا يمكن تجاهله بدراسة إضافية فقط.
اليوم، السؤال لم يعد حول النوايا الإصلاحية، بل حول الإيقاع: هل تتحرك القرارات بنفس سرعة التحديات؟ أم أن التخطيط يسبق التنفيذ بخطوات؟
في صناعة لا ترحم، الفرق بين الوجهة التي تستعيد ثقتها والوجهة التي تفقدها لا يُقاس بعدد الدراسات التي أُنجزت، بل بعدد القواعد التي تغيّرت فعلياً داخل السوق.
والكرة الآن ليست في ملعب التشخيص… بل في ملعب النتائج المنشورة والقرارات الشجاعة.
