بقلم: الباز عبدالإله
أعادت قراءة قانونية صادرة عن Global Legal Monitor، التابع لمكتبة الكونغرس الأمريكية، قانون الأحزاب السياسية بالمغرب إلى دائرة الاهتمام، بعدما خصصت المؤسسة، يوم 29 ماي 2026، مادة بعنوان “Morocco: New Law Bolsters Governance of Political Parties”، تناولت فيها القانون التنظيمي رقم 54.25، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية.
ولا تكمن أهمية هذه القراءة في كونها تكشف نصاً جديداً غير معروف داخل المغرب، فالقانون سبق أن صدر في الجريدة الرسمية، بعد مروره من المسار التشريعي والدستوري المطلوب.
الأهمية تكمن، أساساً، في أن مؤسسة قانونية تابعة لمكتبة الكونغرس وضعت هذا التعديل المغربي ضمن دائرة الرصد الدولي، وقدمته باعتباره نصاً يعزز حكامة الأحزاب السياسية، من خلال قواعد أكثر تفصيلاً في التأسيس، والتمويل، والمحاسبة، وتنظيم المؤتمرات.
وتشير قراءة مكتبة الكونغرس إلى أن القانون الجديد لا يقتصر على تعديل جزئي في المنظومة القانونية للأحزاب، بل يلامس عدداً من المفاصل الأساسية في الحياة الحزبية، خصوصاً في مرحلة تسبق انتخابات 2026، حيث يصبح سؤال التنظيم الداخلي، والامتداد الجهوي، وتمثيلية الشباب والنساء، ومراقبة المال الحزبي، جزءاً من النقاش السياسي العام.
في باب التأسيس، يرفع القانون من مستوى الشروط المطلوبة لإنشاء حزب سياسي.
فملف التأسيس يجب أن يتضمن تصريحاً موقعاً من 12 عضواً مؤسساً، من بينهم أربع نساء على الأقل، مع تمثيل كل جهة من جهات المملكة.
كما يشترط القانون أن تكون تسمية الحزب ورمزه مميزين عن تسميات ورموز الأحزاب المؤسسة قانوناً، في محاولة لتقوية الوضوح القانوني والرمزي داخل المشهد الحزبي.
ولا يتوقف التشديد عند عدد الموقعين الأوائل.
فالقانون يشترط أيضاً تقديم التزامات مكتوبة من ألفي عضو مؤسس على الأقل، موزعين على جميع جهات المملكة، على ألا يقل تمثيل كل جهة عن 5 في المائة من العدد المطلوب.
كما ينص على ألا تقل نسبة كل من الشباب الذين لا تزيد أعمارهم على 35 سنة والنساء عن خمس الأعضاء المؤسسين.
وتقرأ مكتبة الكونغرس هذه المقتضيات باعتبارها جزءاً من توجه يرمي إلى تعزيز الحكامة داخل الأحزاب، وربط تأسيسها بقاعدة تنظيمية أوسع، لا بمجرد مبادرة محدودة أو إعلان سياسي معزول.
بهذا المعنى، يصبح تأسيس الحزب اختباراً أولياً لمدى قدرته على إثبات امتداد جهوي، وحضور نسائي وشبابي، وقاعدة مؤسسة قابلة للتحقق.
ويمتد هذا المنطق إلى المؤتمر التأسيسي.
فالقانون يعتبر هذا المؤتمر قانونياً إذا حضره 75 في المائة على الأقل من عدد الأعضاء المؤسسين المطلوب قانوناً، مع احترام شروط التوزيع الجهوي وتمثيلية الشباب والنساء.
وهذا المقتضى يمنح المؤتمر التأسيسي وظيفة تتجاوز الطابع الشكلي، لأنه يربط قانونية التأسيس بوجود حضور فعلي يعكس ما أعلنه الحزب في ملفه الإداري.
أما في الجانب المالي، فتتوقف القراءة الأمريكية عند مقتضيات تمنح الأحزاب إمكانيات جديدة، لكنها تضعها في المقابل تحت رقابة أوضح.
فالقانون يحدد سقف الهبات في 800 ألف درهم سنوياً لكل متبرع ذاتي، ويسمح للأحزاب بتأسيس شركات مملوكة كلياً لها في مجالات محددة، من بينها التواصل والأنشطة الرقمية، وإصدار الصحف الناطقة باسم الحزب، والنشر والطباعة، وخدمات الإعلام والتواصل الموجهة للتأطير السياسي.
غير أن هذا الانفتاح على أدوات مالية وتنظيمية جديدة لا يعني تركها خارج دائرة المحاسبة.
فالقانون ينص على إدماج نتائج حسابات كل شركة يؤسسها الحزب ضمن الحساب السنوي المودع لدى المجلس الأعلى للحسابات.
وهنا يظهر التوازن الذي يحاول النص إقامته: تمكين الأحزاب من تطوير وسائل عملها، مع إخضاع هذه الوسائل لقواعد الشفافية والمراقبة.
وتبرز أهمية هذا المقتضى في سياق سياسي يعرف أن العمل الحزبي لم يعد محصوراً في الاجتماعات والهياكل التقليدية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتواصل الرقمي، والإعلام الحزبي، وإنتاج المحتوى، والتأطير السياسي عبر أدوات حديثة.
غير أن تحديث وسائل الاشتغال يطرح بالضرورة سؤال مصدر التمويل، وطريقة صرفه، ومدى خضوعه للمراقبة.
ويشدد القانون كذلك على ضرورة إرجاع كل مبلغ من الدعم العمومي ثبت استعماله لغير الغايات التي منح من أجلها، أو لم يثبت صرفه بالوثائق والمستندات المطلوبة.
كما يمنح المجلس الأعلى للحسابات صلاحية توجيه إعذار إلى الحزب المعني في حالة عدم تقديم الحساب السنوي، أو وجود ملاحظات مرتبطة بوثائق الإثبات أو صرف الدعم، مع منحه أجلاً قدره 45 يوماً لتسوية وضعيته.
وفي حالة تخلف حزب سياسي عن الإدلاء بحسابه السنوي لمدة ثلاث سنوات متتالية، يحيل الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات الأمر على السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، التي يمكنها طلب حل الحزب أمام المحكمة الابتدائية الإدارية بالرباط.
كما ينص القانون على إحالة الاختلالات المرتبطة باستعمال التمويل العمومي على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيساً للنيابة العامة، لاتخاذ ما يقتضيه القانون.
هذه المقتضيات تنقل المحاسبة الحزبية من مستوى الملاحظة العامة إلى مستوى ترتيب آثار قانونية واضحة.
فالحزب لم يعد مطالباً فقط بتقديم خطاب سياسي حول الشفافية، بل صار مطالباً بإثباتها في حساباته، وفي وثائقه، وفي طريقة تدبيره للدعم العمومي.
ويتوقف النص أيضاً عند انتظام الحياة الداخلية للأحزاب، من خلال إلزام كل حزب بعقد مؤتمره الوطني العادي مرة كل أربع سنوات على الأقل.
وفي حالة عدم احترام هذا الأجل، يفقد الحزب حقه في الاستفادة من الدعم، وفق الشروط المنصوص عليها في القانون.
وهذا المقتضى يفتح نقاشاً مهماً حول علاقة الدعم العمومي بالديمقراطية الداخلية للأحزاب، وحول ما إذا كانت المؤتمرات مجرد محطات تنظيمية دورية، أم آلية فعلية للمحاسبة وتجديد القيادة والاختيارات.
من هذه الزاوية، تبدو قراءة مكتبة الكونغرس الأمريكية أقرب إلى تلخيص قانوني دقيق لرسالة النص الجديد.
فالمغرب، من خلال القانون التنظيمي 54.25، يضع الأحزاب أمام قواعد أكثر صرامة في التأسيس، وأكثر وضوحاً في التمويل، وأكثر ارتباطاً بالمحاسبة، وأكثر حساسية تجاه تمثيلية الشباب والنساء والجهات.
لكن السؤال السياسي الذي يفرض نفسه لا يوجد في النص وحده.
فالقوانين يمكن أن تضع شروطاً دقيقة، وأن ترتب آجالاً ومساطر، وأن ترفع من مستوى الرقابة، غير أن القيمة الحقيقية لأي إصلاح قانوني تقاس بقدرته على التأثير في الممارسة.
ومع اقتراب انتخابات 2026، سيجد هذا القانون نفسه أمام اختبار عملي.
هل ستتحول مقتضيات الحكامة إلى مدخل لتقوية الحياة الحزبية، وتوسيع المشاركة، وتجديد النخب، وضبط التمويل؟
أم ستبقى مجرد إطار قانوني جديد يدخل بدوره إلى منطق التدبير الانتخابي وموسم التزكيات؟
ما تقوله قراءة مكتبة الكونغرس بلغة قانونية هادئة، يمكن تلخيصه سياسياً في جملة واحدة: قانون الأحزاب الجديد يرفع سقف الشروط، لكن الامتحان الحقيقي سيبدأ حين تنتقل الأحزاب من نص الجريدة الرسمية إلى واقع اللوائح، والمؤتمرات، والحسابات، والتزكيات.
