ليست المشكلة في أن تُحدد الدولة تعويضات لجنة مكلفة بورش استراتيجي.
فالإصلاح التربوي، بطبيعته، يحتاج إلى خبرة، والخبرة لها كلفة.
المرسوم رقم 2.25.670، المنشور بالجريدة الرسمية، ضبط الأرقام بدقة: 30.500 درهم شهرياً لرئيس اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج (كسقف أقصى)، و3.698 درهماً عن كل يوم عمل للخبراء في حدود يومين شهرياً، إضافة إلى 2000 درهم لليوم عن التنقل خارج أرض الوطن، و1000 درهم لليلة الإقامة، مع إمكانية الاستعانة بخبرات خارجية مقابل 3500 درهم عن كل يوم خبرة.
النص منضبط.
المساطر واضحة. الحسابات دقيقة. لكن ماذا عن المنجز؟
اللجنة، المؤطرة بالمرسوم 2.20.473 والمستندة إلى المادتين 28 و29 من القانون الإطار 51.17، ليست هيئة تقنية عابرة.
هي مكلفة بتجديد المناهج، تحيين البرامج، إصلاح نظام التقييم، وتطوير وسائط العملية التعليمية.
أي أنها تتحرك في قلب المدرسة المغربية، لا في هامشها الإداري.
غير أن النقاش العمومي لم يُفتح حول حجم الموارد بقدر ما انفتح حول بطء الأثر.
كشفت مصادر إعلامية أن اللجنة عرفت خلال الفترة الماضية صعوبات في تنسيق الاختصاصات وبلورة إطار عملي واضح، في وقت انقضت فيه سنتان من ولايتها المحددة في أربع سنوات.
كما أثارت استقالة رئيسها، محمد الصغير جنجار، تساؤلات إضافية حول دينامية الاشتغال الداخلي، دون أن يُواكب ذلك عرض مؤسساتي مفصل للحصيلة المرحلية.
هنا تتشكل المفارقة: يوم الخبير محسوب بالدقة، لكن سنة التلميذ لا تُقاس بالمؤشر نفسه.
الإشكال ليس في مشروعية التعويض، بل في العلاقة بين الوسيلة والنتيجة.
حين تُبنى هندسة التعويضات بإحكام، ويظل المنجز هشاً أو غير واضح في عرضه للرأي العام، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن بصدد شراء الخبرة، أم بصدد تمويل زمن إداري بطيء؟
فالخبرة، في حد ذاتها، ليست قيمة مضافة إلا إذا تحولت إلى أثر ملموس.
والمنهج لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بمدى استقراره، ووضوحه، وقدرته على مواكبة تحولات المعرفة والتكنولوجيا.
وإذا كانت الدولة قد وفرت الوسائل البشرية والمادية، وحولت مساهمات القطاعات الحكومية إلى حساب مفتوح لدى بنك المغرب، فإن الرهان الحقيقي يظل في كيفية تحويل هذه الموارد إلى نتائج قابلة للقياس.
النقابات، في آخر لقاء لها مع الوزارة، أثارت مسألة تعطل عمل اللجنة.
وبرامج “منقحة” تظهر بين الحين والآخر لمعالجة اختلالات ظرفية.
غير أن الإصلاح البنيوي لا يُبنى بالترقيع، بل برؤية متماسكة، وإيقاع واضح، ومؤشرات أداء معلنة.
الأخطر من كلفة التعويضات هو كلفة الانتظار.
فكل شهر يُستهلك في ترتيب الصلاحيات أو إعادة توزيع الأدوار، هو شهر يُقتطع من زمن الإصلاح.
والزمن المدرسي، بخلاف الزمن الإداري، لا يقبل التأجيل.
من المشروع إذن أن يُطرح سؤال الحكامة بوضوح: أين التقرير السنوي الذي يُفترض أن يعرض منجزات اللجنة؟ ما هي مؤشرات الأداء المعتمدة لقياس أثر اشتغالها؟ هل توجد آلية تقييم مستقلة تربط بين الموارد المصروفة والتحولات المحققة؟
ليست القضية أن المبالغ مرتفعة أو منخفضة، بل أن العلاقة بين الكلفة والنتيجة تبدو غير مكتملة.
حين تتقدم هندسة المصاريف على هندسة الرؤية، يظهر خلل في ترتيب الأولويات.
وحين يُفهم تنظيم التعويضات بدقة أكبر من فهم مسار الإصلاح، تتسع فجوة الثقة.
المدرسة ليست ملفاً تقنياً، بل رهاناً مجتمعياً طويل النفس.
والخبرة ليست سلعة تُشترى، بل مسؤولية تُقاس بأثرها.
فهل نحن فعلاً نشتري الخبرة؟ أم أننا، بصمت، نؤدي ضريبة الانتظار؟
