تتحرك الحكومة نحو إرساء إطار قانوني جديد ينظم تفويت الديون البنكية المتعثرة، في خطوة تؤسس لإحداث سوق ثانوية منظمة تسمح بنقل هذه الديون إلى فاعلين آخرين مقابل عوض مالي.
المشروع، الذي أعدته وزارة الاقتصاد والمالية، يُقدَّم باعتباره إصلاحاً هيكلياً يهدف إلى تعزيز صلابة القطاع البنكي وتمكينه من إعادة توجيه موارده نحو تمويل الاقتصاد والاستثمار، في سياق يتسم بارتفاع حجم القروض غير المنتجة.
كشفت مصادر إعلامية أن مشروع القانون يمنح مؤسسات الائتمان إمكانية تفويت دين نقدي واحد أو عدة ديون، محددة أو قابلة للتحديد، كلياً أو جزئياً، شريطة أن تكون ناشئة عن عملية ائتمان أو عملية مماثلة وفق ما ينظمه القانون رقم 103-12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها.
ويشمل التفويت أصل الدين، والفوائد المستحقة، والضمانات العينية أو الشخصية المرتبطة به، وعقود التأمين إن وجدت، بما يعني انتقال المركز القانوني الكامل للدائن إلى “المفوَّت إليه”.
ولا يحصر المشروع صفة المفوَّت إليه في مؤسسات الائتمان، بل يتيح لأي شخص طبيعي أو اعتباري اقتناء هذه الديون، وهو ما يفتح الباب أمام شركات متخصصة أو مستثمرين مؤسساتيين للدخول إلى هذا المجال.
وبمجرد توقيع العقد وأداء الثمن المتفق عليه، تنتقل ملكية الدين بكل حقوقه إلى المالك الجديد.
من الناحية الشكلية، شدد المشرّع على إلزامية توثيق التفويت كتابة تحت طائلة البطلان، وأن يحمل العقد تسمية صريحة “عقد تفويت ديون متعثرة”.
كما يوجب تضمين بيانات دقيقة تشمل هوية الأطراف، وتاريخ التفويت، وقائمة مفصلة بالديون المحولة، مع تحديد عناصر تعيين كل دين على حدة، من قبيل اسم المدين وعنوانه، مبلغ الدين الأصلي، الفوائد، تاريخ الاستحقاق، سعر الفائدة، طبيعة الضمانات، وعقود التأمين المرتبطة، إضافة إلى بيان المقابل المالي لعملية التفويت.
وفي حال اعتماد وسائل معلوماتية، يتعين التنصيص على الوسيلة المعتمدة وعدد الديون ومبلغها الإجمالي.
وتسري آثار التفويت بين الأطراف ابتداءً من تاريخ العقد، ويُحتج بها تجاه الغير من التاريخ المحدد فيه، كما يُمنع المفوِّت من تغيير نطاق الحقوق المرتبطة بالديون بعد التفويت دون موافقة المفوَّت إليه، مع تحميل هذا الأخير عبء إثبات تاريخ التفويت عند النزاع بكافة وسائل الإثبات.
أما المعطيات ذات الطابع الشخصي المرتبطة بتدبير الدين، فتنص المقتضيات على انتقالها بقوة القانون إلى المفوَّت إليه، وفق أحكام القانون رقم 09-08، مع اشتراط التصريح المسبق لدى اللجنة الوطنية المختصة، خاصة إذا كان المفوَّت إليه خارج المملكة، ومنع إعادة استعمال هذه المعطيات خارج نطاق تنفيذ عقد التفويت أو العقد الأصلي.
على المستوى الاقتصادي، يراهن المشروع على تمكين الأبناك من تخفيف عبء القروض غير المنتجة وتحسين مؤشرات الملاءة، بما يسمح بتحرير موارد إضافية لتوجيهها نحو تمويل الاستثمار.
غير أن هذا التحول لا يظل محصوراً في الحسابات البنكية؛ فهو يعيد تعريف موقع الدين داخل المنظومة المالية.
فالدين، الذي كان علاقة مباشرة بين بنك وزبونه، يصبح أصلاً قابلاً للتداول داخل سوق منظمة. صحيح أن التفويت لا يغير شروط العقد الأصلي من حيث المبدأ، لكنه يغير هوية الدائن.
ومع دخول فاعلين جدد قد يكون منطقهم استثمارياً بالدرجة الأولى، يبرز سؤال التوازن بين النجاعة الاقتصادية ومتطلبات العدالة التعاقدية.
نجاح هذا الإصلاح لن يُقاس فقط بمدى تحسن مؤشرات السيولة والملاءة، بل بمدى قدرته على الحفاظ على الثقة في المنظومة الائتمانية.
فحين تتحول الديون المتعثرة إلى أصول مالية قابلة للتداول، يصبح التحدي هو ضمان ألا يتحول التعثر إلى عبء مضاعف، وألا تطغى لغة الأرقام على روح العلاقة التعاقدية التي نشأ في ظلها الدين.
