بقلم: الباز عبدالإله
أعلن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية “أونسا”، اليوم السبت، أن عيد الأضحى 1447 هـ مرّ في ظروف صحية وصفها بالمُرضية، بعد تعبئة واسعة للمصالح البيطرية والمختبرات التابعة له خلال أيام العيد.
في الظاهر، يبدو البلاغ خبراً تقنياً عادياً، يدخل ضمن الحصيلة الموسمية التي تقدمها المؤسسات بعد نهاية المناسبات الكبرى.
لكن الأرقام التي كشف عنها المكتب تفتح زاوية أوسع للنقاش، لأنها لا تتحدث فقط عن لحوم أضاحي خضعت للفحص، بل عن علاقة المواطن بالسلامة الصحية، وعن حجم القلق الذي يرافق مناسبة عائلية وروحية تتحول كل سنة إلى امتحان حقيقي للمراقبة والثقة واليقظة.
وحسب معطيات أونسا، جرى تعبئة 500 طبيب وتقني بيطري في إطار المداومة خلال فترة العيد، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تعرفه هذه المناسبة، وحجم الحاجة إلى تدخل قريب وسريع حين يتعلق الأمر بصحة الأسر وسلامة لحوم الأضاحي.
كما أفاد المكتب بأن مصالحه البيطرية قامت بفحص أزيد من 3750 سقيطة بجميع جهات المملكة، إضافة إلى تنفيذ زيارات ميدانية إلى 350 منزلاً، استجابة لطلبات مواطنين رغبوا في معاينة مباشرة، أو في الحصول على إرشادات دقيقة حول سلامة اللحوم وطريقة التعامل معها.
هنا لا تعود السقيطة مجرد رقم في بلاغ إداري، بل تصبح مؤشراً على مواطن يريد أن يطمئن، وعلى إدارة مطالبة بأن تكون قريبة، وعلى سوق لا يكفي فيه أن تمر الأمور “بخير” إذا لم يشعر الناس أن هناك من يسمعهم لحظة الشك.
واللافت أيضاً أن أونسا تحدثت عن الاستجابة لأزيد من 2000 اتصال عبر الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو رقم يكشف أن المواطن لم يعد ينتظر الجواب من الجار أو من نصائح مواقع التواصل، بل صار يبحث عن معلومة رسمية وواضحة وسريعة في موضوع يرتبط مباشرة بصحة البيت والمائدة.
هذه النقطة بالذات تمنح البلاغ بعداً آخر، لأن السلامة الصحية لا تبدأ فقط من المجزرة أو من محل الجزارة، بل تبدأ من الثقة في المعلومة، ومن قدرة المؤسسة على الخروج من لغة البلاغات الباردة إلى لغة القرب والشرح والجواب المباشر.
وأشار المكتب أيضاً إلى استمرار عمليات المراقبة والتفتيش على مستوى المجازر المعتمدة ومحلات الجزارة، من أجل التأكد من مطابقة اللحوم والأحشاء للمعايير الصحية المعمول بها.
وهنا يخرج السؤال الهادئ من بين تفاصيل العيد: إذا كانت هذه التعبئة الاستثنائية قد ساهمت في مرور المناسبة في ظروف مُرضية، فهل يمكن أن تتحول هذه اليقظة إلى قاعدة دائمة في مراقبة اللحوم والأسواق، بدل أن تبقى مرتبطة بالمواسم الكبرى فقط.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى الطمأنة في العيد وحده، بل يحتاجونها في كل يوم تدخل فيه اللحوم إلى الأسواق، وفي كل مرحلة من مراحل السلسلة، من الضيعات إلى النقل، ومن المجازر إلى محلات البيع، ومن المراقبة إلى المعلومة التي تصل إلى المستهلك.
بلاغ أونسا يمنح صورة إيجابية عن تدخل رسمي منظم خلال العيد، لكنه يذكر أيضاً بأن الثقة الصحية ورش يومي لا موسمي.
فالبلد الذي يعبئ 500 طبيب وتقني بيطري في أيام العيد، ويستقبل أكثر من 2000 اتصال، ويزور 350 منزلاً، يعرف جيداً أن المواطن لم يعد يكتفي بعبارة “مرّت الأمور بخير”.
المواطن يريد أن يعرف كيف مرّت الأمور، ومن راقب، وماذا وقع، ومن أجاب، وهل ستبقى نفس اليقظة حاضرة عندما تنطفئ نار المجامر وتعود الأسواق إلى إيقاعها العادي.
