لم يعد ما يجري داخل هيئة كتابة الضبط مجرد خلاف تقني عابر حول صرف تعويضات مادية، بل أضحى مؤشراً واضحاً على توتر تنظيمي يتقاطع فيه المالي بالإداري، في لحظة دقيقة يعيشها قطاع العدالة.
انطلقت شرارة هذا الوضع مع تعثر صرف ما يعرف بـ”الشهرين الثالث عشر والرابع عشر”، بعدما توقفت المستحقات عند عتبة الخزينة العامة للمملكة.
فقد رفض الخازن العام التأشير على اللوائح المحالة من وزارة العدل بدعوى أنها تضم نحو 600 موظف مصنفين ضمن “الملحقين بالوزارة”، وهم
بحسب تأويل الخزينة غير مشمولين بأحكام النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط.
في المقابل، تتمسك الوزارة بكون هؤلاء يمارسون نفس المهام ويتحملون نفس الأعباء المهنية، ما يجعل إقصاءهم من التعويضات، وفق تصورها، غير مبرر عملياً.
هذا الخلاف الذي استمر لأسابيع لم يبق حبيس المراسلات الإدارية، بل ترجمته المحاكم إلى حالة احتقان ملموسة، خاصة بعد إعلان النقابة الديمقراطية للعدل عن أشكال احتجاجية تبدأ بحمل الشارات داخل مختلف المحاكم، تمهيداً لوقفات وطنية لاحقة.
وفي خضم هذا المناخ المشحون، كشفت مصادر إعلامية أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي أصدر قراراً بإعفاء رئيس كتابة الضبط بمحكمة الاستئناف بالرباط.
ووفق المعطيات المتداولة، جاء القرار على خلفية إخلالات مسجلة في التدبير الإداري أثرت سلباً على تصريف الأشغال، مع تسجيل شكايات تقدم بها محامون تتعلق بتجاوزات تمس بكرامة الدفاع وحقوق المتقاضين والمرتفقين.
صحيح أنه من الناحية القانونية لا يوجد رابط مباشر بين تعثر صرف التعويضات وقرار الإعفاء، غير أن التزامن بين الحدثين يفتح باب التساؤل حول ما إذا كان القطاع يعيش مجرد صدفة زمنية متراكبة، أم أنه أمام مرحلة إعادة ترتيب داخلية تحت ضغط مالي وتنظيمي متزايد.
بيد أن الإشكال الحقيقي يتجاوز حدود الحسابات المالية الضيقة ليطرح تساؤلاً جوهرياً حول “هيبة المرفق القضائي”؛ إذ إن استمرار صراع التأويلات بين وزارتي العدل والمالية يضع استقرار المرفق على المحك، ويجعل هيبة الإدارة وصورتها أمام المرتفقين رهينة “بلوكاج” إداري يدفع ثمنه الموظف والمواطن على حد سواء.
إن تعليق التعويضات يضع الوزارة أمام معادلة دقيقة: احترام النص الحرفي للنظام الأساسي من جهة، وضمان الإنصاف المهني بين من يؤدون نفس الوظائف من جهة أخرى.
أما قرار الإعفاء، فيبعث برسالة مفادها أن الاختلالات في تسيير المرفق القضائي لن تمر دون مساءلة، خاصة حين ترتبط بحقوق المتقاضين.
الصورة التي تتشكل اليوم مركبة: موظفون يحتجون على مستحقات معلقة، ومسؤول إداري يُعفى بسبب تعثر في التدبير، ومرفق قضائي مطالب في الوقت ذاته بالنجاعة وحماية الحقوق.
إنها معادلة حساسة، وأي اختلال في أحد أطرافها قد ينعكس على الثقة في العدالة كمؤسسة.
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بتحديد ما إذا كان هذا الوضع مجرد عاصفة إدارية عابرة ستنتهي بتسوية مالية واضحة، أم أنه بداية مرحلة تدقيق أوسع داخل هيئة كتابة الضبط قد تعيد رسم توازنات القطاع وتحصين هيبة المرفق من تداعيات الاحتقان المهني الدائم.
