أجرى الحوار: عبد الحميد الإدريسي
في خضم النقاش الدائر حول أوضاع ما بعد السجن وتحديات إعادة الاندماج وجبر الضرر، يقدم المعتقل السابق عبد العالي بريك شهادة شخصية حول مرحلة ما بعد الإفراج، كاشفًا عن صعوبات اجتماعية ومهنية يعتبر أنها لا تزال تعيق تحقيق إدماج فعلي.
حوار يضع مسار الإنصاف بين النصوص القانونية والواقع العملي، ويعيد طرح سؤال فعالية آليات الإدماج وجبر الضرر في مرحلة ما بعد العقوبة.
بعد خروجك من السجن، كيف وجدت واقعك الاجتماعي والمهني؟ وهل شعرت بوجود آليات فعلية تساعد على إعادة الاندماج؟
بعد خروجي من السجن، وجدت نفسي أمام واقع اجتماعي ومهني صعب ومعقد.
لم ألمس وجود آليات حقيقية تُسهّل الإدماج الفعلي في المجتمع.
بل إنني أتحفظ حتى على مصطلح “إعادة الإدماج”، لأن الإدماج الحقيقي يفترض وجود منظومة متكاملة تحافظ على كرامة الإنسان وحقوقه منذ البداية.
غياب برامج جدية للمواكبة النفسية والاجتماعية والاقتصادية يجعل المعتقل السابق يواجه تحديات كبيرة، سواء على مستوى الاندماج المهني أو استعادة مكانته الاجتماعية.
فالإفراج القانوني وحده لا يكفي إذا لم تُواكبه إجراءات عملية تعيد الثقة وتفتح آفاقًا حقيقية لبناء حياة مستقرة.
هل استفدت من أي برامج أو إجراءات رسمية أو مدنية تتعلق بالإدماج؟ وكيف تقيم فعاليتها عمليًا؟
تم الإعلان عن بعض البرامج المرتبطة بالإدماج، غير أنني، من خلال تجربتي الشخصية، اعتبرتها أقرب إلى إجراءات شكلية منها إلى حلول عملية.
بدا الأمر وكأنه محاولة لإبراز صورة إيجابية أمام الرأي العام، دون أن تنعكس هذه البرامج في نتائج ملموسة على أرض الواقع.
الإدماج الحقيقي يحتاج إلى فرص شغل فعلية، دعم اقتصادي واضح، تأهيل نفسي واجتماعي مستمر، ومرافقة قانونية تحفظ الكرامة.
أما البرامج التي تظل في حدود الطابع الرمزي أو التسويقي، فإنها لا تستجيب لتطلعات المعتقلين السابقين، بمختلف توجهاتهم الفكرية أو السياسية.
فيما يخص جبر الضرر، هل حصلت على تعويض مادي أو معنوي؟ وكيف تصف مسار المطالبة به؟
لا يمكن الحديث عن جبر ضرر حقيقي في غياب اعتراف رسمي صريح بما يعتبره المعنيون انتهاكات.
فمبدأ العدالة والإنصاف يبدأ بالاعتراف، يليه التعويض المادي والمعنوي، ثم ضمانات عدم التكرار.
إلى حدود الساعة، لم ألمس مؤشرات واضحة على وجود مسار فعلي ومنصف لجبر الضرر، سواء من الناحية المادية أو على مستوى رد الاعتبار المعنوي.
التجارب الدولية تُظهر أن الإنصاف لا يقتصر على التعويض المالي، بل يشمل إعادة الاعتبار والتمكين المهني والاجتماعي، وهي عناصر لا تزال، في تقديري، غير مكتملة.
إذا كنت لا تزال تطالب بحقوقك، فما السبل التي تعتمدها؟ وما أبرز الصعوبات التي تواجهك؟
ما زلت متشبثًا بحقي في المطالبة بالإنصاف الكامل عبر جميع السبل القانونية والمؤسساتية المتاحة. أؤمن بأولوية المسار القانوني الوطني، غير أنه في حال استمرار غياب التفاعل الجدي، يبقى اللجوء إلى الآليات الدولية خيارًا مشروعًا وفق ما تتيحه القوانين والمواثيق ذات الصلة.
أبرز الصعوبات تتمثل في بطء المساطر، وغياب التفاعل الجاد، إضافة إلى الضغط الاجتماعي والمهني الذي يواجهه المعتقل السابق في مسار استعادة حياته الطبيعية.
ومع ذلك، فإن الإصرار على المطالبة بالحقوق يظل خيارًا مبدئيًا لا تراجع عنه.
بين النص والتطبيق… سؤال المرحلة
تضع شهادة عبد العالي بريك سؤال مرحلة ما بعد السجن في قلب النقاش العمومي: هل يكفي الإفراج القانوني لاعتبار المسار قد اكتمل؟ أم أن العدالة تظل ناقصة ما لم تُستكمل بإجراءات إدماج فعالة وجبر ضرر منصف؟
سؤال يتجاوز الحالة الفردية ليطرح تحديًا مؤسساتيًا أوسع، يرتبط بمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل مبادئ الكرامة والإنصاف من نصوص قانونية إلى واقع ملموس.
