أعلن مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، عزمه الترشح مجدداً بالدائرة الانتخابية سيدي إفني، في خطوة تندرج ضمن التحضيرات المبكرة للاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026.
الإعلان، الذي تم خلال لقاء حزبي محلي، يتجاوز في دلالاته حدود قرار تنظيمي عادي، ليعكس توجهاً سياسياً واضحاً داخل الحزب القائد للتحالف الحكومي نحو تثبيت الأسماء ذات الامتداد التنفيذي في دوائرها الأصلية، وإغلاق هامش التأويل حول إعادة التموضع أو “الترحال الانتخابي”.
بايتاس شدد على أنه سيخوض الانتخابات “بوجه مكشوف”، مع عرض حصيلة ما تحقق والإقرار بما لم يكتمل.
غير أن هذا الخطاب، في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب التوقعات الاجتماعية، يضع المسؤول الحكومي أمام معادلة دقيقة: الدفاع عن اختيارات عمومية اتخذت في ظرفية اقتصادية دولية معقدة، وفي الآن نفسه إقناع ناخب محلي يقيس الأداء بميزان القرب والنتائج الملموسة.
قرار الترشح من سيدي إفني يحمل أكثر من رسالة.
فمن جهة، يؤكد الرغبة في الاستمرارية داخل دائرة ذات رمزية تنموية وتاريخية خاصة، جنوب البلاد.
ومن جهة أخرى، يقطع مع أي تأويل قد يربط المرحلة بإعادة توزيع الأوراق داخل الخريطة الانتخابية.
في التجارب المقارنة، يُنظر إلى بقاء المسؤولين في دوائرهم الأصلية كاختبار مباشر للرصيد السياسي، بعيداً عن حسابات الدوائر “المضمونة”.
المعطيات التنظيمية داخل حزب التجمع الوطني للأحرار تشير إلى حسم مبكر في نسبة كبيرة من الترشيحات، وهو ما يعكس سعياً إلى تحصين الجبهة الداخلية قبل الدخول الفعلي في السنة الانتخابية.
هذا التسريع في إغلاق مرحلة المشاورات لا يخلو من دلالة: الرهان على الجاهزية كعنصر تفاضلي في سباق يتوقع أن يكون تنافسياً، مع الحرص على تقديم صورة تنظيم منضبط ومتماسك.
غير أن تثبيت الأسماء لا يعني بالضرورة تحييد المخاطر السياسية فمع اقتراب 2026، ستتحول الحصيلة الحكومية إلى محور النقاش العمومي، وسيجد كل مسؤول مرشح نفسه أمام مساءلة مزدوجة: مساءلة وطنية حول السياسات العمومية، ومساءلة محلية حول الحضور الميداني والتفاعل مع قضايا الدائرة.
في هذا السياق، يصبح الترشح من سيدي إفني أكثر من خطوة انتخابية؛ إنه قبول مبكر بالدخول في اختبار الثقة.
التطورات الأخيرة داخل الحزب، بما في ذلك انتخاب قيادة جديدة وتأكيد الاستعداد التنظيمي، تعكس رغبة في خوض الاستحقاقات من موقع المبادرة.
لكن تحويل الانضباط الداخلي إلى تفويض انتخابي متجدد يظل رهيناً بعوامل أوسع من البنية التنظيمية: قدرة الخطاب السياسي على ملامسة التحولات الاجتماعية، ونجاعة السياسات العمومية في إقناع فئات متباينة، ودرجة الثقة التي سيمنحها الناخبون لمن يدافعون عن خيار الاستمرارية.
في المحصلة، لا يبدو إعلان مصطفى بايتاس مجرد تحرك مبكر في رزنامة انتخابية، بل مؤشر على دخول المشهد الحزبي المغربي مرحلة إعادة تموقع هادئة قبل اشتداد المنافسة.
وبين رهان الاستمرارية ومطلب المساءلة، ستتحدد ملامح المعركة المقبلة، حيث لن يكون الحسم في القاعات التنظيمية، بل في صناديق الاقتراع.
