بقلم: الباز عبدالإله
عاد تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى قلب النقاش السياسي بالمغرب، بعدما تحولت خلاصاته الأخيرة إلى مادة مواجهة مباشرة بين الحكومة والمعارضة داخل البرلمان.
ففي الوقت الذي تقدم فيه الحكومة حصيلتها باعتبارها امتداداً لمسار الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، وجدت مكونات من المعارضة في التقرير أرضية جديدة لمساءلة نجاعة السياسات العمومية، وطريقة تدبير البرامج الاجتماعية، ومدى انعكاس الإنفاق العمومي على الواقع اليومي للمواطنين.
في الظاهر، يبدو النقاش تقنياً مرتبطاً بلغة الأرقام والتقارير.
لكن في العمق، يتعلق الأمر بمعركة سياسية بدأت ملامحها تظهر مبكراً قبل انتخابات 2026.
غير أن ما يضيع وسط هذا الاشتباك السياسي هو المواطن نفسه.
فبين حكومة تدافع عن حصيلتها، ومعارضة تبحث عن نقط ضعفها، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في المعادلة، لأنه هو من يؤدي كلفة الاختلالات حين لا تصل البرامج الاجتماعية إلى أثرها المنتظر، وحين تتحول الأرقام إلى نقاش فوقي بعيد عن ضغط المعيشة اليومية.
تحاول المعارضة تحويل خلاصات المؤسسة الرقابية إلى أداة سياسية لمساءلة الحكومة حول ملفات حساسة، من الحماية الاجتماعية إلى القدرة الشرائية، مروراً بتنفيذ الالتزامات الكبرى التي رافقت الولاية الحكومية الحالية.
في المقابل، تدافع الأغلبية عن حصيلتها، معتبرة أن عدداً من الأوراش المفتوحة يحتاج وقتاً كافياً لإظهار نتائجه، وأن قراءة بعض المعطيات تتم أحياناً بمنطق سياسي أكثر منه تقنياً.
لكن المفارقة أن كثيراً من المعارك السياسية لا تُخاض دائماً من أجل تصحيح الاختلالات، بقدر ما تتحول أحياناً إلى سباق على المواقع والتموقعات والمناصب المقبلة.
وحين يصبح التقرير الرقابي مجرد ورقة في مواجهة انتخابية مبكرة، بدل أن يكون مدخلاً لإصلاح جدي وشفاف، فإن السؤال الحقيقي لا يعود حول من ربح النقاش داخل البرلمان، بل حول من خسر أكثر خارج قاعة البرلمان.
والجواب، في الغالب، معروف: المواطن.
النقاش لم يبق حبيس الوثائق الرقابية.
بل امتد إلى البرلمان والإعلام ومنصات النقاش العمومي، حيث عاد سؤال قديم إلى الواجهة: هل تنجح تقارير المؤسسات الرقابية في التأثير على القرار السياسي، أم تتحول فقط إلى ذخيرة ظرفية في الصراع بين الحكومة والمعارضة؟
وتأتي هذه المواجهة في لحظة اجتماعية حساسة، ترتفع فيها حرارة النقاش حول الأسعار والقدرة الشرائية وكلفة المعيشة، وهو ما يمنح أي تقرير رسمي حول السياسات العمومية والإنفاق العام حمولة سياسية مضاعفة.
ومع اقتراب محطة 2026، يبدو أن لغة الأرقام والمؤشرات والتقارير ستصبح جزءاً أساسياً من المعركة السياسية المقبلة، حيث لن تكتفي الأحزاب بالشعارات، بل ستخوض مواجهتها أيضاً بتقييمات المؤسسات الرسمية وما تفتحه من أسئلة محرجة حول الحصيلة والأثر والنجاعة.
لكن قيمة هذه التقارير لن تقاس فقط بمدى استعمالها في المواجهة السياسية، بل بقدرتها على دفع السياسات العمومية نحو أثر ملموس في حياة المواطن.
فالمواطن لا يعنيه كثيراً من ينتصر في سجال البرلمان.
ما يعنيه هو أن تتحول الرقابة إلى إصلاح، والأرقام إلى أثر، والوعود إلى نتائج، والسياسة إلى خدمة عمومية لا إلى مجرد سباق طويل نحو الكراسي.
