لم يكن الجدل الذي أعقب تصريحات وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، مجرد تفاعل عابر مع عبارة دارجة قيلت في سياق لقاء مهني.
بل تحوّل بسرعة إلى نقاش أوسع حول طبيعة العلاقة بين الدولة ومغاربة العالم، وحول حساسية الخطاب حين يتعلق الأمر بملف استراتيجي يتجاوز الرمزية إلى الاقتصاد والسياسة والثقة.
حين قال الوزير في مداخلته:
“الدخول للمغرب بالزعط… بلادك هادي، أنت فدارك واش خاصني نشكرك حيث جيتي لبلادك؟ … بحال إلا عطاك شي cadeau وكيستنى الترحيب… Reste là-bas.
عندي الملايين ديال الكفاءات اللي كيتسناو الفرصة يخدمو”، لم يُفهم الكلام باعتباره تأكيداً على أن الوطن حق طبيعي لا يستوجب امتناناً، بل قُرئ من طرف جزء من الجالية كرسالة تحمل نبرة استغناء في ملف يُفترض أنه قائم على الشراكة.
المسألة لم تكن مطالبة بالشكر، بل سؤالاً عن الرؤية.
فمغاربة العالم يشكلون كتلة بشرية تتجاوز خمسة ملايين نسمة، وتحويلاتهم السنوية، التي تتراوح بين 11 و13 مليار يورو، تمثل ركيزة أساسية في دعم احتياطي العملة الصعبة وتمويل الواردات والحفاظ على توازن الحسابات الخارجية.
خلال الأزمات الدولية، كانت هذه التحويلات أكثر استقراراً من قطاعات كاملة داخل الاقتصاد، وهو ما يعكس عمق الترابط بين الداخل والخارج.
لكن اختزال الجالية في بعدها المالي وحده يبقى قاصراً.
فالقيمة الحقيقية تكمن أيضاً في الرصيد المعرفي والمهني الذي راكمته الكفاءات المغربية في بيئات دولية تنافسية.
في زمن تتصارع فيه الدول على استقطاب العقول، تصبح طريقة مخاطبة هذه الكفاءات جزءاً من معادلة الجاذبية الوطنية، سواء تعلق الأمر بالاستثمار أو بنقل الخبرة أو بالعودة النهائية.
وفي هذا السياق، يكتسب النقاش بعداً مؤسساتياً أوسع.
ففي أكثر من خطاب رسمي، شدّد الملك محمد السادس على أن مغاربة العالم قوة حية للأمة، داعياً إلى تحسين ظروف استقبالهم، وتبسيط المساطر الإدارية لفائدتهم، وتشجيع استثماراتهم، وحماية مصالحهم داخل الوطن.
هذا التوجه يعكس تصوراً قائماً على اعتبار الجالية شريكاً استراتيجياً في التنمية، لا مجرد امتداد عاطفي أو مالي.
من هنا، تصبح أي عبارة يمكن أن تُفهم كإشارة إلى الاكتفاء أو الاستغناء محط حساسية خاصة، ليس لأنها تمس حق الوطن، بل لأنها قد تؤثر في منسوب الثقة.
فمغاربة الخارج الذين يفكرون في العودة أو الاستثمار لا يطالبون بامتياز استثنائي، بل ببيئة واضحة: إدارة فعالة، مساطر مبسطة، حماية قانونية مستقرة، وإشارات سياسية منسجمة مع الرؤية الاستراتيجية المعلنة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الدفاع عن فكرة أن الوطن ليس “كادو”، بل في تحويل العلاقة مع الجالية إلى شراكة عملية ومؤسساتية متكاملة.
فالتحويلات المالية توفر دعماً مهماً، لكن الرهان المستقبلي يرتبط أكثر بتعبئة الطاقات المعرفية، وبناء جسور مستدامة بين كفاءات الداخل والخارج.
قد تمر عبارة، وقد يهدأ الجدل، لكن السؤال الذي كشفته الأزمة يظل قائماً:
كيف ترى الدولة مغاربة العالم في مشروعها التنموي؟
هل كامتداد مالي يوفر هامش أمان اقتصادي؟
أم كشريك كامل في صياغة مستقبل تنافسي داخل اقتصاد عالمي لا ينتظر أحداً؟
الجواب عن هذا السؤال لا يتحدد بالتصريحات وحدها، بل بمدى اتساق الخطاب مع السياسات، وبقدرة المؤسسات على ترجمة الشراكة من مستوى الرمز إلى مستوى الممارسة.
