كشفت يومية الأخبار، استناداً إلى مصادر مطلعة، أن مصالح وزارة الداخلية تشتغل على إعداد مشروع قانون يهم افتحاص الجمعيات المستفيدة من الدعم العمومي، في خطوة تروم تعزيز الحكامة وربط التمويل بالنتائج، بعد تقارير رصدت اختلالات في تدبير جزء من الأموال الموجهة لهذا القطاع.
وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أورده المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره الأخيرة، حيث بلغ إجمالي الدعم العمومي الموجه لفائدة هيئات المجتمع المدني والمؤسسات غير الربحية خلال سنتي 2023 و2024 ما مجموعه 3,53 مليارات درهم، بمعدل سنوي يناهز 1,57 مليار درهم، استفادت منه 984 جمعية ومؤسسة.
هذا الرقم يطرح سؤالاً مشروعاً حول الأثر الحقيقي على الأرض. فحين يُضخ 529 مليون درهم في التعليم الأولي دون تسجيل تحسن متناسب في بعض المؤشرات بالمجالات القروية، أو حين تستفيد جمعيات مهنية فلاحية من 506 ملايين درهم بينما يظل عدد من صغار الفلاحين يشتكون من ضعف المواكبة، فإن النقاش يتحول من حجم التمويل إلى جودة الوساطة الجمعوية ومدى قدرتها على تحويل الدعم إلى نتائج ملموسة.
المشروع المرتقب، وفق ما أوردته الأخبار، يسعى إلى إخضاع الجمعيات لرقابة المفتشية العامة للمالية والمجالس الجهوية للحسابات، مع اعتماد مقاربة قائمة على تقييم المخاطر، بما يتماشى مع التزامات المغرب الدولية وتوصيات مجموعة العمل المالي الدولي (FATF)، خاصة في ما يتعلق بتعزيز الشفافية المالية داخل قطاع المنظمات غير الربحية.
الرهان الأساسي هنا هو الانتقال من منطق صرف الاعتمادات إلى منطق تقييم الأثر، بحيث يصبح التمويل مشروطاً بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس.
غير أن هذا التحول يثير بدوره تساؤلات مشروعة: هل سيُطبَّق الافتحاص بمعايير موحدة على جميع الجمعيات؟ وهل ستتمكن الإدارة من تحقيق التوازن بين تعزيز الرقابة وحماية استقلالية المجتمع المدني؟
نجاح هذا الإصلاح يظل رهيناً بعدم تحويل الافتحاص إلى عبء بيروقراطي يُضعف المبادرات الجادة، خاصة في المناطق التي يعتمد فيها المواطنون على الجمعيات لسد خصاصات اجتماعية وتنموية.
فالمغرب يحتاج إلى مجتمع مدني قوي وشفاف في آن واحد؛ شريك في التنمية، وخاضع في الوقت نفسه لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
