في الوقت الذي تتجه فيه وزارة العدل بخطى متسارعة نحو رقمنة خدماتها وتحديث أدواتها الإدارية، أثار إطلاق منصة الاطلاع على الأحكام الغيابية موجة من التساؤلات التي تجاوزت البعد التقني لتلامس جوهر النقاش الحقوقي والقانوني.
فبينما تُقدم المبادرة باعتبارها “ثورة” لتعزيز نجاعة التنفيذ وتسهيل الولوج إلى المعلومة، يرى فيها مراقبون وجهاً جديداً لـ “التشهير المؤسساتي” المغلف بغطاء الحداثة؛ إذ إن الإشكال لا يتعلق بالرقمنة كخيار استراتيجي، بل بطبيعة “علانية المعطيات” التي تحول المسطرة القضائية من إجراء إداري إلى مادة للفرجة العامة.
في المسطرة التقليدية، كان التبليغ القضائي إجراءً “بينياً” محدود التداول، يتم عبر قنوات رسمية تحافظ على خصوصية الأطراف. أما في النموذج الرقمي الجديد، فإن نشر لوائح بأسماء كاملة ومعطيات تعريفية في فضاء إلكتروني مفتوح، يجعل تلك المعلومات لقمة سائغة لمحركات البحث، مما يطرح سؤالاً حارقاً: هل تحولت المنصة من وسيلة لإخبار المعنيين إلى أداة للضغط النفسي عبر “الوصم الاجتماعي الرقمي”؟ هذا التحول يضرب في العمق “الحق في النسيان”؛ ففي عالم الإنترنت الذي لا ينسى، قد تتحول “الهفوة القانونية” إلى ندبة رقمية تلاحق الشخص في مساره المهني والاجتماعي حتى بعد تسوية وضعيته.
الأكثر خطورة هو المساس بقرينة البراءة؛ فالأحكام الغيابية هي بطبيعتها أحكام “مؤقتة” قابلة للتعرض وإعادة النظر بمجرد مثول الشخص أمام القضاء.
فمن الإجحاف أن يُشهّر بمواطن قبل أن يقول القضاء كلمته النهائية، خاصة مع غياب ضمانات واضحة حول سرعة تحيين البيانات أو معالجة الأخطاء التقنية التي قد تدرج أسماء أبرياء في “قوائم العار” الرقمية.
هذا الخلط بين “المحكوم غيابياً” و”المبحوث عنه” يفتح الباب لتأويلات اجتماعية خطيرة قد تدمر كرامة الأفراد قبل إدانتهم نهائياً.
ولا يقف النقاش عند حدود الأثر الاجتماعي أو الأخلاقي لهذا النشر، بل يمتد أيضاً إلى زاوية قانونية مؤسساتية.
فالمغرب يتوفر منذ سنوات على إطار قانوني خاص بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، كما أن اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تضطلع بدور أساسي في مراقبة كيفية جمع هذه المعطيات ومعالجتها ونشرها.
وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول ما إذا كانت مثل هذه المنصات الرقمية قد خضعت لتقييم مسبق من زاوية حماية الحياة الخاصة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعطيات قد تظل متداولة في الفضاء الرقمي لفترة طويلة، حتى بعد انتهاء المسطرة القضائية أو تسوية الوضعية القانونية للأشخاص المعنيين.
إن هذا المسار يضع المؤسسات أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الجمع بين هيبة الدولة في تنفيذ الأحكام وبين قدسية المعطيات الشخصية المحمية بالقانون 09.08؟ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الرقمنة بحد ذاتها، بل في منع تحولها إلى “أخ أكبر” يراقب ويشهر.
إننا أمام امتحان حقيقي لمدى احترام السياسات الرقمية للمقتضيات الدستورية؛ فهل ستكون هذه المنصة رافعة للثقة في العدالة، أم أنها ستدفعنا لإعادة التفكير في حدود التضحية بالخصوصية من أجل “كفاءة” قد تفتقر إلى الروح الحقوقية؟
