بينما تتسابق التقارير المالية في تقديم أرقام تبدو مطمئنة حول القدرة على ضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، تكشف المعطيات الصادرة عن مركز الأبحاث “التجاري غلوبال ريسيرتش” عن واقع مالي يثير نقاشاً أوسع حول مسار المديونية العمومية في المغرب.
فالتقديرات تشير إلى أن دين الخزينة قد يقترب من 1211 مليار درهم مع نهاية سنة 2026، وهو رقم يعكس استمرار اعتماد المالية العمومية على آليات الاقتراض لتغطية جزء مهم من حاجياتها التمويلية.
هذا المستوى من المديونية لا يمثل مجرد مؤشر تقني في جداول الميزانية، بل يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النموذج الاقتصادي وقدرته على تحويل الاقتراض إلى استثمارات منتجة قادرة على توليد القيمة المضافة وخلق فرص الشغل. فالأرقام الواردة في التقرير تشير إلى أن الدين الداخلي قد يصل إلى نحو 887 مليار درهم، وهو ما يعكس استمرار اعتماد الخزينة بشكل كبير على السوق المالية المحلية لتمويل حاجياتها.
هنا يبرز سؤال اقتصادي أساسي يتكرر في النقاش العمومي: أين تذهب هذه المليارات فعلياً؟ فإذا كان جزء مهم من هذه الموارد يوجه إلى تمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى والبرامج الاستثمارية المرتبطة بالأوراش الاقتصادية، فإن التحدي الحقيقي يبقى مرتبطاً بمدى قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق أثر اقتصادي ملموس يتجاوز منطق الإنفاق إلى منطق الإنتاج.
غير أن الاعتماد المتزايد على التمويل الداخلي يحمل بدوره تداعيات اقتصادية أوسع.
فعندما تستحوذ الخزينة على ما يقارب 887 مليار درهم من السيولة البنكية، فإن الأبناك تجد نفسها أمام خيار مالي مريح يتمثل في توظيف جزء مهم من مواردها في سندات الخزينة ذات العائد شبه المضمون بدل المخاطرة بتمويل مشاريع جديدة.
وفي هذه الحالة تتشكل دينامية اقتصادية يصفها بعض الخبراء بما يشبه اقتصاد “الراحة المالية”، حيث يصبح إقراض الدولة أكثر جاذبية من تمويل المقاولات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي والتشغيلي.
هذا التحول في توجيه السيولة قد يفسر جزئياً لماذا لا تشعر فئات واسعة من المقاولات الصغيرة والمتوسطة بأثر السياسات الاقتصادية أو برامج الدعم العمومي بالشكل المتوقع، رغم الحديث المتزايد عن تعزيز الاستثمار وتحفيز الاقتصاد.
وفي المقابل، يبدو أن الحفاظ على مستوى عجز الميزانية في حدود 3 في المائة أصبح بالنسبة للسياسات المالية ما يشبه “النص المقدس” في تدبير التوازنات الماكرو-اقتصادية، بالنظر إلى ارتباطه بالحفاظ على خطوط الائتمان والسيولة لدى صندوق النقد الدولي وضمان ثقة الأسواق المالية الدولية، إضافة إلى السعي للحفاظ على درجة الاستثمار التي تعد عاملاً حاسماً في جذب التمويلات الخارجية.
وفي هذا السياق، تسعى السياسات المالية إلى الحفاظ على صورة المغرب كـ “تلميذ نجيب” لدى المؤسسات المالية الدولية عبر احترام قواعد الانضباط المالي وضمان استمرارية الثقة في الاقتصاد الوطني.
غير أن هذا الانضباط المالي، رغم أهميته في طمأنة المؤسسات المالية الدولية وتعزيز صورة الاقتصاد المغربي في الأسواق، يظل مرتبطاً بمدى قدرته على التوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي من جهة، والحاجة إلى تحقيق نمو اقتصادي قوي قادر على خلق الثروة وفرص الشغل من جهة أخرى.
وبين الانضباط المالي الذي يُقدَّم كضمانة لثقة المؤسسات الدولية، وبين واقع اقتصاد يحتاج إلى استثمارات منتجة وفرص شغل حقيقية، يجد المغرب نفسه أمام مفارقة دقيقة: الحفاظ على صورة “التلميذ النجيب” في دفاتر المؤسسات المالية العالمية، أو إعادة توجيه النقاش نحو سؤال أكثر جوهرية يتعلق بمدى قدرة المديونية على خلق اقتصاد منتج لا يكتفي بإدارة التوازنات المحاسبية.
فبلوغ مديونية الخزينة مستوى يقارب 1211 مليار درهم يعيد طرح سؤال اقتصادي استراتيجي حول مستقبل المالية العمومية: هل ستتحول هذه المديونية إلى رافعة حقيقية للنمو والاستثمار، أم أنها مجرد آلية لتمويل التوازنات المالية في المدى القصير؟ وبين تفاؤل المؤشرات الرسمية وتحفظ بعض التحليلات الاقتصادية، يبقى السؤال مفتوحاً: لماذا تستمر المديونية في الارتفاع بوتيرة ملحوظة، بينما يظل أثرها على النمو والتشغيل موضوع نقاش واسع داخل الأوساط الاقتصادية؟
