بين صيدليات مهددة بالإفلاس ونقاش محتدم حول مستقبل القطاع، عاد ملف تنظيم سوق الدواء في المغرب إلى واجهة الجدل، بعد رأي حديث صادر عن مجلس المنافسة كشف عن اختلالات بنيوية في نموذج الصيدلية المغربية.
المعطيات التي قدمها المجلس، في عرض مفصل بالرباط، ترسم صورة دقيقة لوضع اقتصادي معقد؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقارب أربعة آلاف صيدلية عبر التراب الوطني باتت تواجه ضغوطاً مالية متزايدة قد تدفع عدداً منها إلى حافة الإفلاس، في ظل ضعف معدل استهلاك الأدوية الذي لا يتجاوز نحو 640 درهماً سنوياً للفرد حسب معطيات 2024، وهو رقم يظل بعيداً عن مستويات الاستهلاك المسجلة في عدة دول أخرى كفرنسا وبلجيكا، بل وحتى الجارة تونس التي يبلغ فيها الإنفاق الدوائي ضعف المستوى المغربي تقريباً بنحو 1200 درهم سنوياً.
هذا التشخيص الذي يربط بين ضعف القدرة الشرائية وتضخم عدد الصيدليات، حيث يبلغ عددها نحو 14 ألفاً و134 صيدلية مقابل 14 ألفاً و191 صيدلياً مسجلاً، لا يتعلق فقط بمعطيات تقنية، بل يعكس اختلالاً بنيوياً في النموذج الاقتصادي للصيدلية المغربية.
فحسب المعطيات التي قدمها المجلس، يعتمد نظام رواج الأدوية أساساً على الهامش التجاري المطبق على ثمن المصنع (PFHT)، في ظل غياب أتعاب محددة للخدمات الصيدلانية الأخرى مثل الاستشارة الصحية أو الوقاية أو تتبع العلاج، وهو ما يجعل الصيدلية تعتمد بشكل شبه كامل على بيع الدواء كمصدر رئيسي للدخل، في وقت تعرف فيه التكاليف التشغيلية ارتفاعاً متواصلاً.
غير أن النقاش حول مستقبل الصيدليات في المغرب لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع التي يشهدها قطاع الصحة، خصوصاً مع توسع نظام التغطية الصحية الإجبارية وتزايد الضغوط المرتبطة بكلفة الدواء والإنفاق الصحي للأسر.
فبين من يرى أن ضخ رساميل جديدة قد يسمح بتحديث البنية الاقتصادية للصيدليات وتحسين قدرتها على الصمود في سوق يتميز بهوامش ربح محدودة، ومن يعتبر أن فتح الباب أمام المستثمرين قد يغير طبيعة المهنة نفسها، يبقى السؤال مطروحاً حول التوازن الدقيق بين منطق السوق ومتطلبات الأمن الدوائي.
فالصيدلية، في نهاية المطاف، ليست مجرد نقطة بيع، بل حلقة أساسية في المنظومة الصحية، وأي تغيير في نموذجها الاقتصادي قد تكون له انعكاسات تتجاوز الحسابات التجارية لتطال العلاقة بين المريض والدواء.
وهنا يبرز الجدل الحقيقي الذي يتداول داخل الأوساط المهنية: هل نحن أمام محاولة لإنقاذ الصيدليات الصغيرة من ضغوط مالية متزايدة، أم أن تشخيص الأزمة قد يشكل مقدمة لنقاش أوسع حول إعادة تنظيم السوق؟ فالإشارة إلى إمكانية تطوير نماذج تنظيمية جديدة لرأسمال الصيدليات تفتح الباب أمام تساؤلات حساسة حول مستقبل مبدأ “الحصرية المهنية”، الذي ظل لعقود يمنع على غير الصيادلة امتلاك أو مراقبة الصيدليات.
كما أن أي نقاش حول مراجعة بعض قواعد التنظيم الحالية، مثل المسافة القانونية المحددة في 300 متر بين صيدلية وأخرى، أو نماذج الملكية المحتملة، يثير مخاوف لدى جزء من المهنيين من أن يتحول القطاع تدريجياً إلى مجال أكثر جذباً للاستثمار المالي.
فبينما يرى بعض المراقبين أن إدخال الرساميل قد يضخ دينامية جديدة في قطاع يعاني من اختناق اقتصادي واضح، يحذر آخرون من أن أي تحول غير متوازن قد يضعف استقلالية الصيدلي المهنية ويحول دوره من فاعل صحي مستقل إلى مسير تقني داخل هياكل تجارية أكبر.
وبين تشخيص الأزمة وطرح مسارات الإصلاح، يبدو أن قطاع الصيدلة في المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي.
فإما أن يتم ابتكار نموذج اقتصادي جديد يحافظ على استقلالية الصيدلي ويضمن استدامة الصيدليات الصغيرة، أو أن تفرض منطق السوق تحولات تدريجية قد تعيد تشكيل خريطة القطاع بالكامل.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى السؤال الذي يتردد داخل الأوساط المهنية: هل يتعلق الأمر بإصلاح ضروري لإنقاذ القطاع، أم ببداية انتقال صامت نحو نموذج اقتصادي جديد في سوق الدواء المغربي؟
