ما يحدث اليوم في سوق السردين بالمغرب ليس مجرد “تقلبات أسعار” عادية، بل يطرح أسئلة حقيقية حول اختيارات السياسة البحرية وتوازنها بين رهانات السوق الخارجية ومتطلبات المائدة المغربية.
فأن يصل سعر “فيتامين الفقراء” إلى 40 درهماً في بلد يمتلك أحد أطول السواحل في إفريقيا، هو مفارقة تثير الكثير من النقاش حول واقع الأمن الغذائي.
وبينما كانت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد، زكية الدريوش، توقع في الرباط على وثائق مشروع “GMC2″ برعاية أممية، كان المواطن البسيط في الأسواق الشعبية يصطدم بواقع مختلف: السمك الذي يسبح في مياهنا أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية معقدة ترتبط بما يسمى اليوم بـ”سلاسل القيمة” والأسواق الدولية.
هذا المشروع الدولي، الذي يجمع المغرب بدول مثل الإكوادور وبنما تحت لافتة “الاقتصاد الأزرق”، يقدم في جوهره كمبادرة لتعزيز استدامة القطاع البحري وتشجيع ممارسات الصيد المسؤول.
غير أن السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين هو: لماذا تنجح الدولة في فرض معايير التتبع والرقابة عندما يتعلق الأمر بالشحنات الموجهة للأسواق الدولية، بينما تظل السوق المحلية تعاني من اختلالات مرتبطة بسلاسل الوساطة والتوزيع؟ إن التركيز على مصايد السردين والأنشوبة في هذا المشروع يعكس أيضاً الأهمية الاقتصادية الكبيرة لهذه الأنواع داخل قطاع الصيد البحري، باعتبارها من أبرز المنتجات البحرية في المغرب.
إن الحديث التقني عن حماية المخزون السمكي وتنظيم سلاسل الإنتاج يظل ناقصاً إذا لم ينعكس بشكل ملموس على الأسعار داخل السوق الوطنية.
فالفارق الكبير بين السعر الذي يغادر به السردين الموانئ والسعر الذي يصل به إلى طاولة المواطن يظل موضوع نقاش واسع بين المهنيين والمستهلكين على حد سواء.
نجاح أي “اقتصاد أزرق” لا يقاس فقط بحجم التمويلات الدولية أو بجودة التقارير المرفوعة إلى المنظمات الدولية، بل يقاس أيضاً بقدرة المواطنين على الاستفادة من ثروات بلادهم البحرية بأسعار معقولة.
ويبقى التحدي الحقيقي اليوم هو إيجاد توازن بين متطلبات الاستدامة الاقتصادية والبيئية من جهة، وضمان حضور السردين في المائدة المغربية كغذاء شعبي في متناول الجميع.
