لم يعد النقاش حول الأمن الغذائي في المغرب مجرد موضوع تقني يقتصر على تقارير المؤسسات أو بيانات الوزارات، بل تحول تدريجياً إلى قضية تطرح أسئلة أعمق حول طريقة تدبير الغذاء نفسه داخل الاقتصاد الوطني.
فحين يكشف تقرير صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن ما يقارب 4.2 ملايين طن من المواد الغذائية تنتهي سنوياً في القمامة، وأن حوالي 40 مليون قطعة خبز تُرمى يومياً، فإن الأمر يتجاوز حدود الأرقام ليكشف خللاً بنيوياً في منظومة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.
هذه الأرقام تكتسب دلالة أكبر في سياق بلد يعيش سنوات متتالية من الضغط المائي وارتفاع تكاليف المعيشة.
فالهدر الغذائي في هذه الحالة لا يعني فقط ضياع منتجات فلاحية، بل يعني أيضاً ضياع موارد مالية ومائية وطاقة إنتاجية كاملة.
لذلك يبدو السؤال اليوم أبعد من مجرد سلوك استهلاكي، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تنظيم سلاسل القيمة الغذائية داخل السوق الوطنية.
المفارقة التي يسلط عليها التقرير الضوء تكمن في الفرق الكبير بين مسارات التصدير والسوق المحلية. ففي الوقت الذي لا تتجاوز فيه نسبة ضياع الفواكه والخضر الموجهة للتصدير 3 إلى 5 في المئة، ترتفع هذه النسبة داخل السوق المحلية إلى ما بين 20 و40 في المئة.
هذا الفارق الكبير يعكس وجود منظومتين مختلفتين تماماً داخل الاقتصاد الغذائي: منظومة دقيقة ومحكمة لخدمة الأسواق الخارجية، وأخرى أقل كفاءة عندما يتعلق الأمر بإيصال المنتجات إلى المستهلك المحلي.
بعبارة أخرى، تبدو سلاسل التصدير أكثر تنظيماً من حيث التخزين والنقل والمراقبة اللوجستيكية، بينما تعاني السوق الداخلية من اختلالات مرتبطة بالتخزين والنقل وضعف البنية اللوجستيكية، وهو ما يؤدي إلى تلف جزء مهم من المنتجات قبل وصولها إلى المستهلك.
هذه المفارقة تفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الأولويات الاقتصادية، حيث تبدو العملة الصعبة في كثير من الأحيان محركاً أساسياً لتنظيم سلاسل التوزيع بكفاءة أكبر.
وفي جانب آخر من الصورة، يبرز الخبز كأحد أبرز رموز الهدر الغذائي في المغرب.
فرمي ملايين القطع يومياً لا يعكس فقط تغيراً في أنماط الاستهلاك، بل يرتبط أيضاً ببنية الدعم العمومي للحبوب والدقيق، حيث يؤدي انخفاض السعر النسبي للخبز إلى فقدان قيمته الرمزية في سلوك المستهلك. فحين تصبح تكلفة الرمي أقل من تكلفة الترشيد، يتحول الخبز تدريجياً من مادة أساسية ذات رمزية ثقافية إلى منتج سريع الاستهلاك سريع الهدر.
غير أن التداعيات الأخطر للهدر الغذائي لا تقف عند حدود الاقتصاد أو الاستهلاك، بل تمتد إلى الموارد الطبيعية.
فالتقديرات تشير إلى أن ما يقارب 1.6 مليار متر مكعب من المياه تُستخدم سنوياً لإنتاج أغذية لا تصل في النهاية إلى الاستهلاك.
في بلد يعيش تحديات متزايدة مرتبطة بندرة المياه، يتحول هذا الرقم إلى مؤشر مقلق على أن جزءاً مهماً من الموارد المائية يذهب فعلياً إلى النفايات.
كما تكشف نتائج الاستشارة المواطنة التي اعتمدها التقرير أن المنتجات المعلبة والوجبات الجاهزة تأتي في مقدمة المواد الأكثر تعرضاً للهدر، وهو ما يعكس تغيراً في أنماط الاستهلاك نحو شراء كميات أكبر من الحاجة الفعلية.
هذا التحول يعكس أيضاً ضعف الوعي بأساليب التخزين والحفظ، إضافة إلى محدودية آليات تثمين المنتجات التي لم يتم بيعها داخل سلاسل التوزيع.
ورغم وجود مبادرات متعددة للحد من الهدر الغذائي، فإنها غالباً ما تظل متفرقة وغير منسقة، في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم هذه الظاهرة ويحدد آليات الحد منها بشكل فعال.
لذلك يرى عدد من المتابعين أن تقليص الهدر الغذائي في المغرب لم يعد مجرد خيار أخلاقي أو سلوكي، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الغذائي والمائي في البلاد.
تكشف هذه المعطيات أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بزيادة الإنتاج أو تحسين المحاصيل، بل أيضاً بإعادة تنظيم الطريقة التي يصل بها الغذاء إلى المستهلك.
فبين سلاسل تصدير عالية الكفاءة وسوق داخلية تعاني اختلالات لوجستيكية، تظهر مفارقة غذائية تستحق نقاشاً أعمق حول مستقبل تدبير الموارد الغذائية في المغرب.
