في زمن تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية على الأسر عبر العالم، أعلنت الحكومة اليونانية، اليوم، بقيادة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس، قراراً غير مألوف في اقتصاد السوق يقضي بفرض سقف لهوامش الربح في الوقود وعدد من السلع الأساسية، في خطوة تهدف إلى الحد من المضاربة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
هذا القرار، الذي جاء في سياق التوترات الدولية وارتفاع أسعار الطاقة، لم يكن مجرد إجراء تقني لضبط السوق، بل حمل أيضاً رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة يمكن أن تتدخل عندما يتحول منطق السوق إلى عبء مباشر على معيشة المواطنين.
هذا التحرك في أثينا يعيد فتح نقاش حساس في المغرب، حيث لا يكاد يمر موسم اقتصادي دون أن تعود قضية الأسعار إلى واجهة الجدل العمومي.
فكل موجة غلاء تقريباً تُفسَّر بعوامل خارجية: ارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية، اضطرابات سلاسل التوريد، أو التوترات الجيوسياسية. غير أن هذا التفسير، على وجاهته في بعض الأحيان، لا يجيب عن السؤال الأكثر عمقاً داخل الاقتصاد المغربي: ما الدور الذي تلعبه بنية السوق نفسها في تحديد مستوى الأسعار؟
تقارير مجلس المنافسة سبق أن أشارت إلى وجود مستويات مرتفعة من التركّز الاقتصادي في بعض القطاعات الحيوية، حيث تهيمن مجموعة محدودة من الفاعلين على حصص مهمة من السوق.
في مثل هذه الحالات، يصبح النقاش حول الأسعار مرتبطاً ليس فقط بتقلبات السوق الدولية، بل أيضاً بمدى قوة المنافسة داخل السوق المحلية.
ويزداد هذا النقاش حساسية عندما يتعلق الأمر بتداخل النفوذ الاقتصادي مع مراكز القرار. فحين ترتبط بعض القطاعات الاستراتيجية بفاعلين يمتلكون ثقلاً اقتصادياً وسياسياً في الوقت نفسه، يتحول النقاش حول الأسعار من مجرد مسألة تقنية إلى موضوع يتعلق بتوازنات السلطة داخل الاقتصاد.
غير أن بنية السوق ليست العامل الوحيد في هذه المعادلة فهناك عنصر آخر يلعب دوراً مهماً في تحديد الأسعار النهائية، ويتمثل في الوزن الكبير للضرائب غير المباشرة داخل تكلفة العديد من المنتجات.
فكل ارتفاع في الأسعار لا ينعكس فقط على جيب المستهلك، بل ينعكس أيضاً على مداخيل الخزينة العامة، بحكم ارتباط جزء مهم من هذه الضرائب بمستوى الاستهلاك والأسعار.
هذه المعادلة تخلق مفارقة اقتصادية دقيقة: الدولة التي تؤكد التزامها بحماية القدرة الشرائية تجد نفسها في الوقت نفسه مستفيدة مالياً من ارتفاع الأسعار عبر العائدات الضريبية.
ورغم أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة وجود رغبة في ارتفاع الأسعار، فإنه يكشف حجم التعقيد الذي يحيط بملف الغلاء، حيث تتقاطع مصالح السوق ومتطلبات المالية العمومية في نقطة واحدة هي جيب المواطن.
في ظل هذا الواقع، تبدو السوق المغربية أحياناً بالنسبة للمستهلك أشبه بآلية يصعب فهم منطقها،فالارتفاعات الدولية تنعكس بسرعة على الأسعار المحلية، بينما يبدو أن الانخفاضات العالمية تحتاج في الغالب إلى وقت أطول حتى تظهر آثارها في محطات الوقود أو على رفوف المتاجر.
تجربة اليونان لا تقدم نموذجاً يمكن نقله حرفياً إلى كل الدول، لكنها تطرح فكرة تستحق النقاش: عندما يصبح الضغط على القدرة الشرائية كبيراً، هل ينبغي ترك السوق وحدها تحدد قواعد اللعبة، أم أن للدولة دوراً في التدخل لضبط التوازن بين الربح ومتطلبات العدالة الاجتماعية؟
أما في المغرب، فيظل الأمر معلقاً: هل يمكن بناء سوق أكثر شفافية وتنافسية تحمي المستهلك، أم أن معركة الأسعار ستظل رهينة توازنات دقيقة بين مصالح كبار الفاعلين ومتطلبات المالية العمومية؟
